تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الجامعة اللبنانية: تكنولوجيا أخلاقية تحت القصف

المصدر: ماثيوس بيرتيلي / pexels

عام 2023 قرر قاضٍ كولومبي أن يستعين بـ "تشات جي بي تي" ChatGPT لإصدار قرارٍ في قضية معروضةٍ أمامه. هذه الخطوة دفعت المحكمة الدستورية الكولومبية لتحديد مبادئ استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم مستندةً إلى توصية اليونسكو بهذا الشأن. خلال شهر شباط 2025، أصبحت كولومبيا أول دولة تتبنى إرشادات اليونسكو لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القضائية.

أما في لبنان، ذي القضاء المأزوم باستقلاليته وببطء استجابته، بادرت كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية مطلع عام 2025 إلى إصدار "إرشادات حوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في لبنان". هذه الإرشادات موجهة لأي استخدام محتمل للذكاء الاصطناعي في المرفق العام، والمحاكم ضمنًا. وهي تقدم اقتراحات لحماية مفاهيم العدالة والخصوصية والشفافية من مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي، في دولة مأزومة على الأصعدة الثلاثة. أما الناحية المتصلة بالمخاطر العسكرية، وهي الأشد إلحاحًا في ظل الحرب على لبنان واستخدام إسرائيل لتقنيات الذكاء الاصطناعي في ملاحقة واستهداف اللبنانيين، فإنها مستثناة صراحةً من هذه الإرشادات.

تركز الإرشادات الصادرة عن الجامعة اللبنانية على قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات الشخصية، والذي تشير إليه بـ "قانون حماية البيانات الشخصية"، علمًا أن "حماية البيانات الشخصية" تنحصر في باب وحيد (الباب الخامس)، وتشمل أحكام هذا الباب جميع المعالجات "الآلية وغير الآلية للبيانات ذات الطابع الشخصي".

يعتبر المدير التنفيذي لمنظمة الحقوق الرقمية (سمكس) محمد نجم أن قانون المعاملات الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية "يتضمن بنود خجولة لحماية البيانات الشخصية من ممارسات القطاع الخاص"، وبناءً عليه، يصف الواقع الحالي لاستخدام البيانات الشخصية في لبنان "بالفوضى في ظل غياب لأي قانون أو ضوابط لحماية الخصوصية من ممارسات القطاع العام". يضيف نجم أن هذا الواقع يجعل "من الخطير جدًا تبني الدولة لمشاريع تتصل بتقنيات الذكاء الاصطناعي بغياب ضوابط كافية لحماية البيانات الشخصية وتنظيم كيفية جمعها وتحديد المسؤول عن حمايتها، بالإضافة إلى الجهة التي تتمتع بحق الوصول إليها ومعالجتها، أيضًا يجب أن يكون واضحًا مدة تخزين هذه البيانات وكيفية تعديلها أو تصحيحها عند اللزوم".

على الرغم من اهتمام الإرشادات بموضوع الخصوصية، إلا أنّها تغفل التطرق إلى القوانين التي تتعلق بهذا الحق، لا سيما قانون التنصت وقانون الاتصالات وقانون العقوبات، تحديدًا عقوبة الإفشاء بسر مهني وقانون الآداب الطبية وقانون السرية المصرفية. كلها قوانين تتصل بمعالجة بيانات طبيعتها شخصية وحساسة في مجالات مختلفة بات الذكاء الاصطناعي جزءًا منها. تقترح الجامعة أن يتم التعامل مع مبدأ الخصوصية من باب "موازنة المخاطر"، أي استبعاد "التركيز المفرط على الدقة" تلافيًا للإضرار بالخصوصية أو الإنصاف، أيضًا استبعاد "التركيز المفرط على الخصوصية" حمايةً للشفافية.

تنغمس الإرشادات في التعامل مع سؤال "المسؤولية" عن الضرر الذي قد يسببه أو يسهله استخدام الذكاء الاصطناعي. هذا الاهتمام بالمسؤوليات يتضارب مع اقتراحها أن تعتمد الدولة اللبنانية المرونة عبر إصدار مبادئ توجيهية بدل من تشريعات شاملة في مجال الذكاء الاصطناعي، لا سيما أن الضرر المحتمل بسبب "فوضى البيانات" يتطلب تعديلات تشريعية وإصدار قوانين، تتضمن عقوبات ملائمة للأضرار الناتجة عن سوء معالجة واستخدام البيانات الشخصية لسكان لبنان، واباحتها أمام الذكاء الاصطناعي المشغل من دولة عدوة.

يعتبر نجم في هذا السياق أن "استهتار الدولة ليس العلة الوحيدة، هناك أيضًا ثقافة عامة بين الشركات الخاصة تتعلق بنشر وتجميع البيانات بكل أنواعها، فتتحول إلى كنز من البيانات يمكن استغلالها من قبل إسرائيل أو أي جهة خبيثة". ويعتقد نجم أن هذا ما حدث فعلًا.

باصدراها لهذه الإرشادات، تستعيد كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية دورًا محوريًا للتعليم العالي العام في الدولة بصفتها معنية بمواكبة التطور العلمي والتكنولوجي والسياسات العامة المتصلة به. إذ ينص قانون تنظيم عمل الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية  في المادة الثانية منه أنه لأفراد الهيئة التعليمية المنتمين إلى ملاك الجامعة الدائم "تقديم الاستشارات العلمية أو القانونية أو الأدبية أو الفنية وغيرها" ضمن شروط يحددها القانون ذاته. على صعيد متصل، ينص النظام الداخلي لكلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في الجامعة اللبنانية في الفصل الأول منه (الرسالة والأهداف)، أن الكلية تسعى إلى تقديم الاستشارات العلمية والدراسات الميدانية للإدارات والمؤسسات العامة والخاصة، بالاضافة الى فتح مجال التحصيل العلمي والمعرفي أمام جميع الطلاب المنتسبين إليها.

وتأتي هذه الإرشادات في سياق "الخطة الاستراتيجية للجامعة اللبنانية 2024 - 2028"، و"استراتيجية التحول الرقمي في لبنان 2020 – 2030" لتوحي بمسيرة متكاملة من التطور. لكن في الواقع، الاستراتيجيتين غير متاحتين للاطلاع عليهما عبر المواقع الإلكترونية المعنية، سواء موقع الجامعة اللبنانية أو موقع وزارة التربية والتعليم العالي التي أصدرت الاستراتيجية الأولى. أما لجهة الاستراتيجية الوطنية فإن المعلومات المتصلة بها شديدة المحدودية على الموقع الخاص بمكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية.

إن محدودية المعلومات المتوفرة إلكترونيًا، تعكس واقع المحدودية التكنولوجية في الجامعة وعلى صعيد الوزارات المختصة. وهذا أمر غير مبشر لجهة قدرة الجامعة على تولي دورها الاستشاري في السياق التطبيقي لهذه الإرشادات. وأول الأسئلة هو ما إذا كانت الجامعة اللبنانية نفسها تتمتع بالجهوزية لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لأداء أي مهمة، بصورة لا تسبب إضرارًا بخصوصية طلابها وبياناتهم الشخصية المحفوظة إلكترونيًا لدى الجامعة.

لقد كان أمام اللجنة التي أصدرت الإرشادات فرصةً لتقديم قراءة نقدية لواقع حماية البيانات والحاجات التشريعية، لكن هذه المسألة غابت عن إرشاداتها المتعلقة بأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي. على الرغم من ذلك، يبقى البعد النظري لهذه المبادرة مهمًا بالنسبة للجهات غير الحكومية والمؤسسات الخاصة التي تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في لبنان، أيضًا بالنسبة للحكومة ومجلس النواب المطالبين باتخاذ خطوات جدية باتجاه مواكبة التطور السريع للذكاء الاصطناعي، ووضع التشريعات والسياسات اللازمة للحد من آثاره السلبية على المجتمع، والاستفادة من الإمكانيات التي تؤمنها هذه التكنولوجيا.

تاريخ النشر
كاتب/كاتبة
إلهام برجس
موقع
لبنان