الصورة لميساء السطري
"كنت أحب ما أفعل، والآن ليس لدي ما أفعله"، هذا ما تقوله ميساء زهير السطري (25 عامًا)، ابنة مدينة رفح جنوب قطاع غزة، التي اضطرت للنزوح إلى خان يونس شمال رفح مع عائلتها إثر الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
تدرك ميساء أن ما يحدث في غزة أكبر من أن يُختصر، فهناك من يخسرون أرواحهم وعوائلهم، وهناك من يقاتلون يوميًا من أجل الماء والطعام والمأوى. لكنها، في وسط هذا كله، تحاول التمسك بما بقي لها من معنى، عبر عملها اليدوي، الذي لم يكن يومًا مجرد حرفة، بل مساحة شخصية تمنحها الاتزان، والسيطرة على شيء ما، في عالم ينفلت من يديها كل لحظة.
عرفت ميساء السطري بفن التطريز البرازيلي أو "String Art" من خلال استعراضها الصفحات الفنية على مواقع التواصل الاجتماعي، واستحوذ هذا الفن على اهتمامها، ما دفعها إلى متابعة هذا المجال والتعلم الذاتي عبر الإنترنت، بسبب غياب مدربين متخصصين، واقتصار الممارسة على قلة من الهواة والفنانين. لم تقف ميساء عند التطريز الفلسطيني التقليدي فحسب، بل طورت مهاراتها في هذا النوع من الفن، وسعت للتميز عن جيلها عبر رسم وتقديم لوحات غير تقليدية، لتعبر عن مشاعرها أو تحاكي الواقع من حولها. إذ تعتبر التطريز مساحة بصرية لها للتجريب والتعبير عن الذات، بعيدًا عن القوالب الجاهزة.
بأدواتها التي جمعتها بنفسها: إطارات خشبية، أقمشة ملونة، إبر خاصة وخيطان، بدأت ميساء مشروعها الصغير من منزل عائلتها في رفح أيلول/سبتمبر سنة ٢٠٢٢، تقول: "تعرفت على هذا الفن منذ ثلاث سنوات، عدا عن حبي للرسم والتطريز منذ صغري، الذي أجد فيه عالمي الخاص". تتابع: "ابدأ بعملية الرسم بالخيطان عبر اختيار فكرة التصميم أولًا، ثم أجهز الأدوات الأساسية، كالقماش الذي يُقص على حسب المقاس المناسب إلى جانب الخيوط الحريرية والقلم الحراري، ومن ثم أقوم برسم الشكل المطلوب على القماش، ليكون أساسًا لعملية التطريز لاحقًا... كنت أعمل كل قطعة كأنها لوحة فنية، تأخذ أحيانًا أيام أما القطع المعقدة فقد تتطلب أسابيع لتنجز".
قبل اندلاع الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، كانت ميساء تعيش أفضل أيامها كما تقول، واتجهت الى استغلال موهبتها في التطريز بفعل الظروف الاقتصادية الصعبة، وزيادة نسب البطالة في قطاع غزة، وانعدام فرص العمل، ما أفقدها الأمل في العمل بمجال تخصصها "التربية الخاصة" لذوي الإعاقة. تحول شغفها في التطريز البرازيلي إلى مصدر دخل حقيقي، إذ انشأت صفحة على إنستغرام لعرض أعمالها، وبدأت بتلقي طلبات عشرات الزبائن من شمال ووسط قطاع غزة.
لكن كل شيء تبدل مع اندلاع الحرب الأخيرة على قطاع غزة، توقفت الطلبات بشكل كامل، ومعها اختفت أي وسيلة دخل أخرى. تروي ميساء أن النزوح المتكرر من جنوب القطاع إلى وسطه، ومن ثم إلى خان يونس مجددًا، ومن بيت إلى بيت، خيمة إلى أخرى، وخصوصًا بعد هدم منزل عائلتها، الذي ترك أثرًا نفسيًا بالغ السوء عليها، خصوصًا مع فقدان أصدقاء أعزاء خلال القصف الإسرائيلي الوحشي على كل مناطق القطاع.
كانت ميساء تشكل الداعم الاقتصادي لأسرتها من خلال عملها بالتطريز، إلا أن ارتفاع أسعار المواد الخام وانعدام توفر الأدوات اللازمة بعد الحرب، شكل ضربة قاسية لمشروعها الصغير. توضح: "الأدوات التي كنت استخدمها، مثل الإطارات الخشبية، والقماش والإبر والألوان والأقلام الحرارية التي هي أداة مهمة بالنسبة لي في عملية التطريز صارت كلها غير متوفرة ومن شبه المستحيل الحصول عليها".
لم يبقَ لها سوى بعض القطع الخشبية القليلة، في ما اختفت معظم المستلزمات بسبب الحصار، حتى أسعار المواد التي كانت في السابق زهيدة، شهدت قفزة جنونية: "المواد التي كنت اشتريها بشيكل واحد (الدولار الأميركي يعادل قرابة 3 شيكل) قبل الحرب، تجاوز اليوم الستين شيكل للقطعة الواحدة، كما أن تدهور الأوضاع الاقتصادية جعل الناس يعطون الأولوية لتأمين احتياجاتهم الضرورية، ما قلل الاهتمام بالمنتجات الحرفية التي باتت تعتبر من الأمور الثانوية، حتى أنها أصبحت من الكماليات".
لم تكن هذه العقبة الوحيدة، فخلال الحرب تسبب الانقطاع الطويل عن حسابها، لغياب الكهرباء والإنترنت، بانخفاض ملحوظ في التفاعل معه، ما أجبرها على تنشيط تسويق منتجاتها، وتوضح ميساء أن التحدي الأكبر في هذه المشاريع الصغيرة هو أن النساء يواجهن صعوبات مضاعفة بسبب هشاشة أعمالهن إذ تفتقر للتمويل والدعم المؤسساتي، والتأثير النفسي للحرب عليها، وصعوبة النزوح. "شعرتُ وكأني أعود إلى خط البداية بعد قرابة ثلاثة أعوام من الجهد والعمل المستمر، و اضطررت لإعادة بناء مشروعي من الصفر وتوفير الأدوات اللازمة والتي يصعب إيجادها في ظل هذه الأزمة والإبادة"، وحتى صفحة إنستغرام الأصلية أغلقت وخسرت متابعيها واضطرت لإنشاء صفحة جديدة.
تأثر كل جانب من جوانب الحياة في قطاع غزة بشكل كبير جراء الحصار المستمر والعمليات العسكرية الوحشية، ما ترك أثر بالغ على الاقتصاد المحلي، وصار من الصعب إدخال البضائع إلى القطاع نتيجة القيود المفروضة من السلطات الإسرائيلية، إضافة الى التقلبات الجنونية في الأسعار، وتدمير العديد من الجمعيات النسوية ومراكز التدريب، لتتشكل فجوة كبيرة في الدعم المؤسسي للنساء الحرفيات.
قبل الحرب كانت ميساء تأمل في توسيع مشروعها ليشمل التطريز على اللوحات والملابس، علاوة على الجانب الوطني، والأعمال الفنية المزينة بخريطة فلسطين، والكوفية السمراء، وألوان العلم الفلسطيني، وأن تفتتح متجرًا خاصًا بها، بل وأن تنشئ ورشة تدريبية لتعليم الفتيات هذا الفن الذي يجسد -على حد تعبيرها- تاريخ وثقافة غزة. "كنت أحلم بأن يكبر مشروعي، وأن أعرّف النساء بكيفية التعبير عن أنفسهن من خلال الإبرة والخيط، وأن يجدن طاقاتهن بالفن... أحلم بأن تصل أعمالي يومًا إلى معارض كبيرة، وأن تتوقف آلة الحرب الوحشية كي استمر في ما بدأته، لأروي قصة شعبي، وأعكس تراثنا، وأظهر للعالم أن هذا الفن هو ليس فقط يدوي ينتهي بانتهاء تطريز القطعة، بل وجه من وجوه المقاومة، ورسالة وجود".
تُركت المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة التي قادتها النساء لمصيرها، وسط غياب تام لدور مؤسسات المجتمع المدني، التي دُمرت مقار العديد منها أو تعطلت بفعل الحرب والحصار. وفي حين يُفترض بهذه المؤسسات أن تكون سندًا لحرفيات مثل ميساء، فإن الواقع الميداني أجهض أغلب محاولات الدعم، لتبقى النساء وحدهن يواجهن العنف وقسوة الحرب وانهيار المنظومة الاجتماعية الداعمة.
تعكس قصة ميساء جانبًا لا تتناوله وسائل الإعلام عادة، معاناة قد لا تكون الأعمق أو الأبرز، لكنها في تفاصيلها العميقة لا تختلف عن معاناة أهل غزة، فهي مثلهم، مهددة في حياتها في كل لحظة، وذاقت الفقد والتهجير والخطر والخوف، لكن بعيدًا عن عناوين الأخبار الأولى وأرقام الضحايا، تكشف القصة جانبًا غير معتادًا، يستعيد إنسانية أهل غزة بعيد عن حصرهم بأرقام تتوالى على الشاشات دون كثير اهتمام.