تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قرار ترامب يقوض تعليم وتمكين الفلسطينيين في لبنان

الصورة ل عمر أحمد

موسى الخربيطي شاب فلسطيني جامعي متفوق، يبلغ من العمر 19 عامًا، من سكان مدينة صيدا جنوب لبنان، يعيش اليوم واقع مقلق لم يكن ليخطر على باله، عندما حصل قبل سبعة أشهر على منحة ممولة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ليكمل دراسته في اختصاص التمريض في الجامعة اللبنانية الأمريكية في جبيل، لكن قرار الرئيس الأمريكي ترامب بتجميد مساعدات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية كان كفيلًا بأن يقلب المشهد كاملًا رأسًا على عقب، على الشاب الجامعي، وعلى كثيرين ممن يستفيدون من التمويل الأمريكي.

يقول موسى "حصولي على المنحة كان إنجازًا كبيرًا بالنسبة لي، إذ اجتزت عدة مراحل. بداية، قدمت الطلب إلى مكتب وكالة التنمية، وقاموا بفحصه ليتأكدوا من أهليتي للمنحة، إذ يركزون على أن تكون علاماتي في صفي العاشر والحادي عشر مرتفعة، أكثر ١٦ من ٢٠. ثم أجريت مقابلة مع الجامعة، وبعدها خضعت لامتحان اللغة الإنكليزية لتحديد المستوى. لم تكن تلك المراحل سهلة للحصول على المنحة". يعيش موسى حاليًا في السكن التابع للجامعة في منطقة جبيل، حيث تغطي المنحة مصاريف السكن وتكاليف الجامعة والمعيشة. يضيف "القرار كان صادمًا، ومنذ أن سمعت به لم أصدق فكرة أن منحتي قد تتأثر، أعيش اليوم حالة قلق من المجهول".

تجميد برامج المساعدات الأمريكية الخارجية سارٍ لمدة ثلاثة أشهر من إعلان القرار، وخلال هذه المدة ستراجع إدارة ترامب ملف المساعدات الدولية ضمن سياسة "أمريكا أولًا". مع ذلك فأن خطوة خطيرة كهذه لها تداعيات كبيرة قد لا تحتمل الانتظار، فالجامعة التي يرتادها موسى مثلًا أبلغته وزملاءه أن الجامعة لن تتخلى عنهم وأنها تعمل على إيجاد حلول وبدائل في حال لم تستأنف المنحة بعد انقضاء الثلاثة أشهر. لكن أمام السيناريو الأسوأ إذا حصل وتوقفت المنحة تمامًا ولم يكن هناك بدائل، يشرح موسى "سيؤثر ذلك بشكل مباشر على إكمال دراستي في الجامعة هنا. السكن هنا غال جدًا، وقسط الجامعة مرتفع، بالإضافة إلى تكاليف المعيشة، وليس باستطاعتي وعائلتي تحمل ذلك كله. وعندها لن يكون أمامي سوى حل واحد، أن أسجل في الجامعة اللبنانية، وسيترتب إجراء امتحان قبول من جديد، وسيكون قد ضاع من وقتي وجهدي فصلين دراسيين لأنني سأبدأ بالدراسة من البداية في الجامعة الجديدة".

لم تقتصر تأثيرات قرار ترامب على الطلاب الجامعيين، بل طاولت أشخاص وجهات أخرى منها جمعيات فلسطينية عاملة في لبنان، فمنها من تتلقى دعمًا مباشرًا أو غير مباشر من وكالة التنمية، الأمر الذي شكل صدمة كبيرة وأحدث خللًا في المشاريع التي تعمل هذه الجمعيات على تنفيذها في مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين داخل وخارج المخيمات.

عن خطر قطع التمويل، تشرح مديرة العلاقات العامة في جمعية المرأة الخيرية في برج البراجنة السيدة سعاد عبد الرحمن: "يشكل قطع التمويل خطرًا كبيرًا على قطاع المرأة بكل المجالات. فمثلًا، لدينا مشروع نسائي يعمل مع النساء في إطار التمكين والتوعية، وفيه جانب طبي أيضًا، لدينا عيادة نسائية مجانية ودكتورة نسائية، تزورها النساء بشكل مستمر. من المؤسف جدًا أن هذا المشروع تجدد فقط لثمانية أشهر وسيتوقف بعدها. وأيضًا، كنا نعمل على مشروع تستفيد منه فئة مهمشة من المجتمع، وهم ذوي الإعاقة، يُسهم المشروع في تحسين جودة حياة الأشخاص ذوي الإعاقة عبر رفع الوعي بحقوقهم لدى العاملين معهم والجهات الرسمية، ما يعزز شملهم في المجتمع، ويقلل التمييز، ويضمن وصولهم إلى الخدمات والدعم المناسب. قد توقف المشروع بالفعل، ولا نعلم إذا كان سيستأنف العمل فيه، وكل ذلك يشكل أعباء على المستفيدين والمستفيدات الذين حرموا أو سيحرمون من هذه الخدمات التي هم بأمس الحاجة لها".

يشهد المجتمع الفلسطيني في لبنان نسبة بطالة مرتفعة جدًا، ويعود ذلك لأسباب عديدة، لعل أهمها محدودية المهن المسموح للاجئ الفلسطيني العمل بها بموجب القانون اللبناني فضلًا عن الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر فيه البلد منذ سنوات، كما يعيش ٨٠٪ من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تحت خط الفقر، بحسب الأونروا.

تبرز هنا أهمية المشاريع التي تستهدف فئة الشباب التي تعمل عليها الجمعيات، ويشير إلى ذلك مساعد المنسق في مشروع الشباب في جمعية الأخوة في مخيم برج البراجنة السيد محمد الخطيب "لدينا مشروع اسمه نبض، تستفيد منه فئة الشباب، نقدم لهم ورشات عمل وتدريبات، بالإضافة إلى تمويل مشاريع صغيرة تتسم بالاستمرارية والإنتاجية، مثل محل أدوات كهربائية، أو محل لصيانة الهواتف، أو محل للحلويات الصحية، أو لصناعة الشموع، كما ندعم أصحاب المهن عبر تأمين عدد عمل مثل معدات كهربائية أو سباك أو حداد، وغيرهم. هناك عدد كبير من المشاريع التي تم تنفيذها بالشراكة مع الشباب والشابات، وهم يعملون اليوم عليها وتوفر لهم مردودًا ماليًا يساعدهم بتحسين المستوى المعيشي، وذلك ما يجعلهم أشخاص منتجين، ويحرك أيضًا العجلة الاقتصادية في المخيم ومحيطه. ومن الأمثلة الإيجابية أن هذه المشاريع الصغيرة تساعد الكثير من الشباب الجامعيين العاملين عليها بتغطية مصاريف الجامعة، مما يخفف الأعباء على أهاليهم".  

يبدو المشهد واضحًا جليًا عما ستكون عليه تداعيات السياسات الأمريكية الخارجية الجديدة، مشهد قاتم مليء بالأعباء والأحمال الواقعة على كافة شرائح مجتمع اللاجئين الفلسطينيين. وكنتيجة تلقائية للفراغ الذي سيخلفه قرار كقرار ترامب، في حال استمرت مفاعيله، فإن نسب الفقر والبطالة ستزيد، وسيؤثر ذلك على الكثيرين من المتضررين الذين قد يدخلون بحالات نفسية سيئة بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مما يساهم مباشرة في خراب المجتمع ماديًا ومعنويًا، وأمام هذه النتائج، ينكشف الوجه الآخر للمساعدات الدولية الأمريكية، فقد تحولت من أداة إنسانية وتنموية، كما يُفترض بها أن تكون، إلى وسيلة ابتزاز سياسي وورقة ضغط، حين ربط ترامب استمرارها بمدى اتساقها مع السياسات والمصالح الأمريكية. وبهذا، يكون قد وجه ضربة لأحد أهم الركائز التي تعتمد عليها الفئات الأكثر تهميشًا وضعفًا في الدول الفقيرة.

تاريخ النشر
كاتب/كاتبة
عمر أحمد