تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

السان سيمون: جرح مفتوح في خاصرة بيروت

الصورة ل رحيل دندش

قد يصعب تصديق أن شاطئ "سان سيمون" في منطقة الجناح كان في الخمسينيات والستينيات وحتى منتصف السبعينيات يُعدّ لؤلؤة بيروت ومقصدًا للطبقة الأرستقراطية، بشواطئه الذهبية وشاليهاته وأكواخ القش. أما اليوم، فلم يبقَ من تلك الصورة سوى أسماء المسابح، في حين تحوّلت المنطقة إلى ما يشبه منطقة منكوبة، يحدّها الأوزاعي جنوبًا، منطقة الجناح شرقًا، «كورال بيتش» شمالًا، والبحر غربًا. منطقة السان سيمون على شاطئ البحر تنقسم لقسمين: الجنوب يُسمى "سان ميشال" والقسم الأعلى باتجاه الداخل هو"سان سيمون"، يفصل بينهما حائط إسمنتي وقناة صرف صحي تنبعث منها روائح كريهة. بين البيوت، توجد زريبة أغنام تبيع اللحوم للميسورين من خارج الحي.

الدخول إلى حي السان سيمون أشبه بعبور متاهة من بيوت متهالكة تفصلها زواريب ضيقة لا تتسع سوى لدراجة نارية. في الشتاء، يحتاج الزائر لياقة للقفز فوق حجارة رصفها السكان لعبور المستنقعات ومياه الصرف الصحي. لجأ الأهالي إلى رفع عتبات المنازل لمنع التسرّب، لكن الفيضانات تبقى حتمية مع انسداد المجارير أو ارتفاع الموج. ورغم مشاريع البنى التحتية التي نفذتها بلدية الغبيري، إلا أن المخالفات المستمرة تقوّض تلك الجهود، وفق أمين محفوظات البلدية علي رستم.

بدأ تحوّل ملامح السان سيمون مع اندلاع الحرب الأهلية، خصوصًا خلال حرب السنتين (1975–1976)، حين تحولت المنطقة البحرية من الجناح إلى ملاذ للنازحين من شرق بيروت، كتل الزعتر والكرنتينا، وفق علي رستم. تمركز الوافدون بداية قرب مستوصف الزهراء، قبل أن يتزايد عددهم مع الاجتياح الإسرائيلي للجنوب (1978–1982) ونزوح سكان الحدود. كما توافد نازحو البقاع من أحياء مثل المدوّر والنبعة إلى الضاحية، وصولًا إلى الأوزاعي فالسان سيمون، في موجات نزوح متتالية فرضتها الحرب.

كانت منطقة السان سيمون في الأصل أراض مشاع تُعرف بـ"مشاعات الغبيري"، وشكّلت الملكيات الخاصة فيها نسبة ضئيلة. مع موجات النزوح، بدأ الناس بالاستقرار في الشاليهات، ثم شيّدوا فوقها طوابق إضافية، وامتد البناء تدريجيًا فوق الرمال بشكل عشوائي ومن دون تخطيط، ما جعل المباني من الأخطر في بيروت وضواحيها، بحسب مهندسين في مشروع "أليسار".

لاحقاً، توسعت المخالفات لتشمل الأملاك العامة والخاصة، وارتفعت خلال حرب تموز 2006 بنسبة 33% نتيجة غياب الرقابة. فرغم أن "أليسار" لا تعترف بأي بناء بعد عام 1998، استمرت التعديات بسبب غياب البدائل.

مشروع "أليسار" الذي أُقر عام 1998 كان يهدف إلى إزالة التجمعات السكنية العشوائية في السان سيمون وتعويض السكان، لكنه جُمّد بسبب اتهامات بتهجير السكان بدون تعويض عادل. تم تعديل الخطة لاحقًا لتشمل بناء مجمعات سكنية بديلة وتصنيفات تجارية وسياحية، لكن التنفيذ توقف بسبب غياب القرار السياسي والتمويل. رغم ذلك، يظل السكان يأملون في إنجازه ويسألون: "متى نخلص؟". تُقدر كلفة المشروع اليوم بنحو نصف مليار دولار، ويرى البعض أن الأزمة الاقتصادية قد تكون فرصة لتحريكه، مما سينعش الاقتصاد ويحسن أوضاع السكان والدولة المنهارة.

هكذا تحوّل "السان سيمون" إلى واحدة من أكثر مناطق البؤس في بيروت، ممتدًا على مساحة تُقدّر بـ230 ألف متر مربع، ويُرى بوضوح من الطائرة قبل الهبوط في المطار. يقطنه نحو 15 ألف نسمة، بينهم عدد كبير من العمالة الأجنبية والنازحين السوريين، مستفيدين من إيجارات منخفضة لا تتجاوز 15 دولارًا شهريًا.

وفي الحرب الأخيرة التي اندلعت في لبنان خريف 2024، لم يتضرر السان سيمون بشكل مباشر من القصف أو الغارات، لكن المنطقة شهدت نزوحا مكثفًا للفقراء من مختلف الجنسيات، الباحثين عن مأوى بأسعار إيجار زهيدة. هذا التدفق الجديد ساهم في زيادة الاكتظاظ وتفاقم الأزمة الإنسانية والمعيشية في الحي، الذي يعاني أساسا من نقص في الخدمات والبنى التحتية. ورغم أن السان سيمون لم تكن مسرحًا مباشرًا للدمار، إلا أن الغارات التي وقعت في ضاحية بيروت الجنوبية، والتي كانت عنيفة وقوية، تسببت في تصدع جدران العديد من البيوت المتصدعة أساسًا في الحي، ما يهدد قاطنيها بصورة أكثر جدية. إلى ذلك، خلق الفقر والاكتظاظ بيئة ملائمة لانتشار الآفات الاجتماعية، أبرزها تجارة الممنوعات، رغم محاولات "قوى الأمر الواقع" والجهات الأمنية الحد منها.

في أحد الشاليهات القديمة القريبة من البحر، يعيش محمود مرعي، نازح منذ 1976، مصاب في قدمه منذ حرب 1982، ويقيم مع زوجته المريضة في بيت متصدّع تغمره مياه الشتاء والمجاري. يقول بأسى: "لا أحد يعرف بحالنا... الجيران يساعدوننا قدر استطاعتهم".

قريبًا من منزل محمود، تجلس ماجدة عيسى تحت شمس نيسان تدفئ جسدها النحيل، في بيوت لا تعرف المدافئ ولا تدخلها الشمس أو الكهرباء. تقول ماجدة، القادمة من النبعة منذ نحو 40 سنة: "لا حياة هنا"، تضيف جارتها عفاف العلي بسخرية "نعيش من قلّة الموت". أما أمينة، الفتاة شابة، فتروي رعب ليالي الشتاء والخوف من البحر الذي اقتحم الحي أكثر من مرة.

الحياة هنا تدار بصعوبة: لا كهرباء ولا ماء صالح للشرب، تصرخ امرأة من الأزقة "نريد ماء"! اضطر الأهالي لحفر آبار مياه مالحة غير صالحة، والحفر الصحية اختلطت بالمياه بسبب البناء العشوائي. توقف صيانة البنية التحتية خلال العامين الماضيين نتيجة نقص التمويل البلدي، تصل الكهرباء بشكل غير قانوني أي عبر التعدي على الشبكة، في حين يشترك من يستطيع بكهرباء المولدات الخاصة لإضاءة لمبة أو مشاهدة التلفاز.

أما البحر، المفترض أن يكون متنفسًا، فهو مغطى بالنفايات ومصدر للمعاناة؛ القمامة تملأ الشاطئ وأسراب الذباب تحوم، والمجارير تصب مياهها السوداء مباشرة فيه، آليات جمع النفايات لا تدخل الحي إلا عند المداخل، حيث يجمع السكان القمامة لترفعها بلدية الغبيري دون مقابل، بحسب رستم. فيما تتكدس النفايات على الشاطئ فتحملها الأمواج وتعيدها مع نفايات أخرى من الأوزاعي ومكب الكوستا برافا، وكأن البحر يعيد تدوير البؤس يوميًا. وسط هذا المشهد، أطفال حفاة يجمعون أصداف البحر في عبوات بلاستيكية فارغة، غير مكترثين بالمجارير المفتوحة أو القمامة تحت أقدامهم الصغيرة.

الواقع اليوم صعب جدًا، وفق أسامة محمود، أحد السكان النازحين من الكرنتينا، حيث توقف العمل تقريبًا منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية عام 2019، ما زاد معاناة الأهالي الذين يعملون في مهن يدوية مثل الحدادة والنجارة والبناء. 

الدولة غائبة، والمساعدات التمويلية قليلة وغير كافية، والجمعيات الخيرية تقدم زيارات نادرة ومساعدات رمزية لا تكفي لسد الاحتياجات. يعيش السكان على وجبة واحدة في اليوم، أو يجمعون الخردة، أو يعتمدون على أقاربهم، أو يلجأ بعضهم إلى السرقة!

وسط هذا الواقع المرير، يطرح السؤال: "هل من يتذكر حقًا أحزمة البؤس"، ومنها السان سيمون، مع عهد جديد؟ وهل سيلتفت المعنيون أخيرًا لإنقاذ آلاف العالقين في ظروف غير إنسانية، وتحريرهم من جحيم ممتد منذ أكثر من أربعين عام؟

تاريخ النشر
كاتب/كاتبة
رحيل دندش
موقع
لبنان