المصدر: ميريام يونس
في الساعات الأولى من فجر ٢ آذار/مارس، استيقظَ معظم سكّان بيروت على دويّ انفجاراتٍ متعدّدة، إيذانًا ببدايةِ تصعيدٍ جديدٍ في حرب إسرائيل على لبنان. طالت الغارات مناطق عدّة في الضاحية الجنوبية، منها بئر العبد والرويس وحارة حريك وأوتوستراد السيّد هادي نصرالله وسانت تيريز وبرج البراجنة والكفاءات، تزامنًا مع استهدافات أخرى في الجنوب والبقاع.
في غضون نصف ساعة، غصَّت الطرق المؤدّية من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية إلى بيروت بالناس الفارّين، بعضهم/نَّ في السيّارات، وآخرون/أُخريات سيرًا على الأقدام، والبعض بملابس النوم، يحملون/لْنَ أطفالهم/نَّ وما تمكَّنوا/تمكَّنَّ من حمله من حاجياتٍ أساسية. وخلال ساعات قليلة، تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء مؤقّتة للنازحين/ات. استطاعَ بعض الأشخاص العثور على ملاذٍ آمنٍ لدى الأصدقاء أو الأقارب، فيما وجدَ كثيرون/ات أنفسهم/نَّ عالقين/ات في الشوارع من دون أيّ مكان يقصدونه.
تفعيل الشبكة
في تلك الليلة نفسها، ثمَّ بوتيرةٍ متزايدة صباح اليوم التالي وفي الأيّام اللاحقة، بادرَ كثيرون/ات إلى تلبية احتياجات النازحين/ات، من خلال المساعدة في المسائل اللوجستية وتأمين المستلزمات الأساسية مثل الفرش، والخِيَم، والبطّانيات، والملابس، ومواد النظافة، والطعام، والمياه. أطلقت منظّمات غير حكومية محلّية أو دولية بعض هذه الجهود الإغاثية الفورية وتولّت إدارتها، غير أنَّ الكثير من المبادرات جاءَ على شكل مجموعاتٍ صغيرة شعبية يقودها متطوّعون/ات. وكانَ عددٌ منها قد نشطَ أيضًا خلال التصعيد السابق في تشرين الأوّل/أكتوبر ٢٠٢٤. يتذكّر زياد، وهو شابٌّ ساعدَ النازحين/ات في بيروت إلى جانب مجموعةٍ من المتطوّعين/ات، قائلًا:
"الحرب الماضية كانت أوّل حرب أعيشها فعليًا، ففي عام ٢٠٠٦ كُنتُ لا أزال طفلًا. في البداية، شعرتُ بعجزٍ كبير، ولم أكن أعرف ماذا أفعل، إلى أن سألني بعض الأصدقاء عمّا إذا كُنتُ أرغب في مساعدتهم/نَّ في دعم النازحين/ات. هكذا بدأت تجربتي. أمّا هذه المرّة، فقرّرنا فورًا أن نبدأ العمل نفسه. كانَ من المُرَوِّع أن نرى السيناريو نفسه يتكرّر مجدّدًا بين ليلةٍ وضحاها. لكنَّ ما ساعدَنا هو أنَّ شبكتَنا كانت لا تزال قائمة: كُنّا نعرف ما الذي يجب القيام به وكيف. ما كانَ علينا سوى أن نُفعِّل الشبكة من جديد."
في الأسابيع التي تلت، هذا ما قامَ به زياد وأصدقاؤه بالضبط: يومًا بعد يوم، جمعوا ووزّعوا الملابس، والفرش، والخِيَم، والبطّانيات، والوسائد، ومواد النظافة، والأدوية، والألعاب، والطعام على عددٍ كبير من النازحين/ات في بيروت ومحيطها. تواصلوا أيضًا مع مبادراتٍ أخرى لتبادُل أفضل الممارسات والخبرات، ودعم بعضهم/نَّ البعض، وتنسيق جهود الإغاثة. وفي حين استندَ الكثير من هذه الروابط إلى علاقاتٍ بدأت خلال الحرب السابقة، نشأت روابط جديدة أيضًا. وقد وصفت مهى، الناشطة ضمن شبكة طلّابية من كلّيتها تعمل على دعم النازحين/ات في الشويفات وخلدة، كيف تواصلَ معها كثيرون/ات عبر حسابها على إنستغرام بعد مشاهدة عملهم/نَّ اليومي، إمّا طلبًا للدعم أو رغبةً في تقديم المساعدة:
"تلعب وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات واتساب دورًا كبيرًا في التشبيك والوصول إلى الناس، لأنَّ كلَّ شيءٍ يجب أن يتحرّك بسرعة".
يصف كثيرٌ من المتطوّعين/ات دافعهم/نَّ الأساسي لدعم النازحين/ات باعتباره واجبًا وطنيًا أو إنسانيًا في مواجهة الظلم والمعاناة والعنف، ويفهمونه أيضًا كموقفٍ سياسي. تحدَّثَ زياد عن القوّة الدافعة وراء جهوده اليومية قائلًا: "بالنسبة لي، السبب الأساسي هو شعوري بأنَّه يجب أن أفعل شيئًا حيال اللامساواة التي أراها. لماذا أملك المال والطعام والمنزل، بينما هناك أشخاص آخرون يفتقرون إلى هذه الأمور الأساسية؟ وأنا أُدرك أيضًا أنَّه في أيّ لحظة، قد أكون أنا مكانهم/نَّ، وقد أصبح واحدًا منهم/نَّ، وسأحتاج حينها إلى مَنْ يدعمني. وأعتقد أنَّ سببًا ثالثًا يدفعني إلى القيام بذلك هو أن أتّخذ موقفًا ضدّ العدوان الإسرائيلي على بلدنا، إنَّما أيضًا ضدّ سياسيّينا ونظامنا السياسي. أُريد أن يعرف الناس أنَّني أساعدهم/نَّ كإنسان، وليس من منطلق انتمائي إلى مجموعة معيّنة أو حزب معيّن. أُريد أن نجتاز هذه الأزمة معًا وأن نخرج منها أقوى."
الإرهاق واستحالة التخطيط
بحلول موعد إجراء المقابلات الخاصّة بهذه المقالة، كانت الحرب قد دخلت أسبوعها السادس، من دون أيّ أُفق واضح لوقف إطلاق النار أو انتهاء النزاع.1 استمرَّ القصف يوميًا، وبقيَ ما يُقدَّر بنحو مليون شخص في حالة نزوح. بالنسبة إلى كثيرٍ من المتطوّعين/ات الذين/اللواتي أُجرِيَت معهم/نَّ المقابلات، برزت مسألتان مُلِحَّتان: الاستعجال المتواصل لتلبية الاحتياجات الفورية، ومدى استدامة مبادراتهم/نَّ على المدى الطويل. بحسب وسام، وهو رجل في منتصف العمر أَسَّسَ مبادرة صغيرة لدعم النازحين/ات خلال الحرب السابقة، يتجلّى التحدّي الأكبر في استحالة التخطيط:
"في النهاية، نحن نقوم بهذا العمل إلى جانب كلّ مهامنا ومشاغلنا الأخرى. تبدأ الحرب، فنضع حياتنا جانبًا، لكي نُقدِّم المساعدة فحسب. نعمل كخلية نحل، ولا نبخل بكلّ دقيقة وكلّ ساعة من وقتنا لتجميع الأشياء، وفرزها وتوزيعها، وجمع المال، وتوزيعه، وصرفه كي نتمكّن من توزيع المزيد. نُصغي إلى الناس، ونُحاول أن نفهم احتياجاتهم/نَّ لتلبيتها. وليست لدينا أدنى فكرة: هل سيستمرّ هذا الوضع أسبوعًا آخر، أم شهرًا آخر، أم ربّما حتّى سنوات؟ لا توجد أيّ طريقة لنُخطِّط لحياتنا إلى جانب هذا العمل، أو لنتخيّل أيّ شكل من أشكال المستقبل، كأفراد أو للبلد والمجتمع ككلّ. وإلى أن تنتهي الحرب ويتمكّن الناس من العودة إلى بيوتهم/نَّ، إلى منازل وأحياء صالحة فعلًا للعيش، وليسَ فيها أيّ خطر، إلى أن يحدث ذلك، لا يمكننا أن نتوقّف."
تُردِّد مهى الفكرة نفسها: "في هذا العمل، لا مجال للتخطيط مسبقًا: في يومٍ ما قد تحتاج إلى بطّانيات لأنَّ الطقس بارد، وفي اليوم التالي يحتاج الناس إلى الصابون ومواد التنظيف لأنَّهم/نَّ يريدون تنظيف مراحيض المدرسة، ثمّ يتّصل بك أحدهم وهو بحاجة ماسّة إلى دواءٍ تبلغ كلفته نحو ١٥٠ دولارًا. ويجب أن يتوافر كلّ شيء فورًا. إذا لم نُشارِك عملنا واحتياجاتنا مع الآخرين، لا نستطيع إنجاز أيّ شيء. طَلَبَتْ منّي إحدى المنظّمات المانحة أن أُقدِّر احتياجاتنا ضمن ميزانية محدّدة. كيف يُفترَض بي أن أفعل ذلك؟ ما هو الإطار الزمني - شهران؟ سنة؟ كيف يمكنني أن أعرف؟ يمكن أن نصرف آلاف الدولارات يوميًا، لكنَّنا حاليًا نُحاوِل أن نحدّ من المصاريف قدر الإمكان، ونعتمد بالدرجة الأولى على التبرُّعات العينية كي يبقى لدينا بعض الاحتياطات تحسُّبًا لأيّ شيء قد يطرأ لاحقًا."
مع مرور الوقت، أدّى هذا الوضع الذي يُحتِّم البقاء دائمًا في حالة استنفار، والتعامل مع سَيْل لا ينتهي من الاحتياجات العاجلة والمتغيّرة، في ظلّ غياب أيّ وضوح بشأن المستقبل، إلى نوعٍ خاصّ من الإرهاق، وإلى شعورٍ متزايد بالإحباط لدى كثيرٍ من المتطوّعين/ات. إنَّهم/نَّ لا يعرفون/فْنَ كيف يُخطِّطون/طْنَ: لا لحياتهم/نَّ اليومية، ولا لأيِّ مستقبلٍ قصير أو طويل الأمد. ومع ذلك، يُلازِمهم/نَّ شعورٌ بأنَّهم/نَّ لا يفعلون/لْنَ ما يكفي."الشعور بأنَّني لا أفعل ما يكفي لا يقتصر حصرًا بأن أُضطرّ إلى قول لا عندما لا أستطيع تأمين شيءٍ ما. فأنا مجرّد مُشارِكة في مبادرة صغيرة؛ لستُ مؤسّسةً رسمية. إنَّه أقرب إلى شعورٍ بضرورة التحرُّك طوال الوقت. أُريد أن أرتاح، لكنَّني أعرف أنَّه لا يزال بإمكاني أن أذهب وأُحضِر بعض البطّانيات من مكانٍ ما لإيصالها إلى أشخاص يشعرون بالبرد. فكيف أُحدِّد الأولويات؟ كيف أُنظِّم وقتي؟ لا أعرف، وهذا هو تحديدًا ما يجعل الأمر مُرهِقًا لهذه الدرجة".
الاستدامة والعودة ودور الدولة
أمام غموض المستقبل، يتوقّع كثيرٌ من المتطوّعين/ات تحدّياتٍ جدّية، مهما كانَ المسار الذي ستتّخذه الحرب. تتوقّع رانيا، وهي متطوّعة ضمن مبادرة كانت ناشطة قبل التصعيد الأخير لدعم سكّان الجنوب، لحظةً صعبة بشكلٍ خاصّ عندما يتمكّن النازحون/ات أخيرًا من العودة إلى منازلهم/نَّ: "عندما يتمكّنون فعلًا من العودة، عندئذٍ يبدأ التحدّي الحقيقي بالنسبة لنا. سنحتاج إلى دعمهم/نَّ بقدر ما نستطيع، وبكلّ ما هو متاح لدينا، كي يتمكّنوا من إعادة بناء بيوتهم/نَّ وحياتهم/نَّ. لكنَّني أخشى أيضًا إذا طالت الحرب وبقيَ الناس في مراكز الإيواء وفي الشوارع، أن يفقد الناس اهتمامهم/نَّ ويتوقّفوا عن التبرُّع أو المساعدة. فالحفاظ على هذه الجهود لفترةٍ طويلة سيكونُ أمرًا صعبًا جدًا."
تُشير هذه الهواجس إلى مسألةٍ أوسع يُفكِّر فيها كثيرون/ات من العاملين/ات في جهود الإغاثة الشعبية: أين ينتهي الجهد التطوُّعي، وأين تبدأ مسؤولية الدولة؟ كما يُعبِّر زياد: "في مرحلةٍ ما، يجب أن تتدخّل الدولة. كمنظّمات غير حكومية ومبادرات صغيرة، لا نستطيع أن نُعوِّض عمّا هو في نهاية المطاف فشلٌ في الحوكمة. يمكننا أن نستمرّ بهذا الشكل لمدّة شهر، وربّما شهرَيْن أو ثلاثة. أمّا إذا طالَ الأمر أكثر من ذلك، يجب أن تتولّى الدولة مسؤوليتها، لأنَّ الأمور ستخرج عن السيطرة. الحلّ الحقيقي الوحيد هو أن تضطلع الدولة بدور أكبر بكثير ممّا تقوم به الآن".
لكنْ حتّى الآن، لا يزال هذا الدور غائبًا إلى حدٍّ كبير، ولا يزال المتطوّعون/ات هم/نَّ مَنْ يملؤون/يملَأْنَ هذه الفجوة، يومًا بعد يوم، رغم تعبهم/نَّ، والتحدّيات التي يُواجِهونها، والشكوك التي تُراوِدهم/نَّ بشأن المستقبل.
1 في وقت النشر، لا تزال الحرب مستمرّة، على الرغم من التوصُّل إلى اتّفاق لوقف إطلاق النار.