Skip to main content

من السينما إلى الطب النفسي محاولات لإنقاذ ذاكرة أطفال غزة

المصدر: حسني صلاح/ pexels

بعد مرور عامين على الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، في مشهد وحشي وكثيف، مليء بكل معاني الفقد والموت، تُضاء شاشة عرض في أماكن النزوح، يجلس أطفال غزة لمشاهدة فيلم لا يشبه ما عاشوه خلال هذه الحرب، لا أصوات صواريخ ولا طائرات ولا طوابير طويلة وانتظار ثقيل للحصول على الماء والخبز والطعام. مجرد صورة أخرى للعالم أمام أعين اعتادت الخوف بوصفه واقعًا يوميًا. في هذا السياق، انطلق مهرجان غزة السينمائي للأطفال في دورته الأولى، حاملاً سؤالًا جوهريًا: "كيف نمنع أن تكون الحرب هي القصة الوحيدة التي يتذكرها الأطفال عن أنفسهم؟".

امتد المهرجان من تشرين الثاني/نوفمبر حتى كانون الأول/ديسمبر، بتنظيم من صندوق المشهراوي لتطوير السينما والسينمائيين في غزة بقيادة المخرج الفلسطيني رشيد المشهراوي، وبالتعاون مع برنامج حكمت فلسطين والجهات المحلية، وضم أكثر من ثلاثين فيلمًا محليًا وعربيًا ودوليًا، بين أفلام قصيرة ورسوم متحركة، عرضت عبر تجهيزات متنقلة في مدن القطاع ومناطق النزوح. لا تكمن أهمية الحدث في عدد الأفلام، بل في ما يحاول أن يفعله على مستوى أعمق وهو التدخل في الذاكرة قبل أن تتصلب حول الخوف.

تحت شعار "نحب الحياة غدًا" يفتح المهرجان سؤالًا أكثر أهمية: "أي ذاكرة نريد للأطفال أن يحملوها معهم وهم يكبرون؟"

ترى مديرة الإعلام والعلاقات العامة والمتحدثة باسم المهرجان للصحافة نهيل الأزبكي أن أحد أهم ما حاول المهرجان فعله هو نقل تجربة الأطفال من العزلة إلى المشاركة، فهم عاشوا تجارب قاسية من حرب وحصار وفقدان تُختزن كألم فردي صامت. حين يجلسون معًا لمشاهدة فيلم واحد، يتحول الألم من تجربة فردية إلى سرد جماعي، ويشعر الطفل أنه ليس وحده وأن قصته تشبه قصص الآخرين. ووفق هذا الفهم، لا يقدم المهرجان الفرح بوصفه هروبًا مؤقتًا، بل بوصفه تجربة مشتركة تعاد من خلالها صياغة الذاكرة، قائمة على التقاطع والتشابه، لا على العزلة والانكفاء.

تعمدت الأفلام المعروضة تكرار رموز أساسية مثل البيت والبحر والطائرة الورقية والأم والصديق والمائدة والمدرسة... وهي عناصر غائبة أو مهددة في حياة أطفال غزة، "نحاول من خلال السينما أن نثبت هذه الصور في ذاكرة الطفل، لا كحنين فقط، بل كجزء من عالمه الممكن".

انطلاقًا من ذلك، لا تبدو الذاكرة الجماعية مفهومًا نظريًا، بل ممارسة حية تتشكّل في اللحظة نفسها، فحين يسأل الأطفال في نهاية العروض إن كان هناك عرض آخر في الغد، أو يطالبون بمزيد من اللعب والفرح، فهم لا يطلبون نشاطًا إضافيًا، بل يطالبون بالاستمرار في مساحة شعروا فيها، ولو مؤقتًا، أنهم مرئيون ومشاركون ومعترف بهم. تحول الألم الفردي إلى تجربة مشتركة، لا يقف عند حد الانطباع الثقافي، بل يجد تفسيره في مقاربات العلاج النفسي للأطفال في سياقات الصدمة.

من هذا المنطلق، تقول الطبيبة النفسية نوال عسقول "أن ما يواجهه أطفال غزة يتجاوز الصدمة بالمعنى التقليدي، ليصل الى مستويات عالية من اضطرابات ما بعد الصدمة، هناك تشويش دائم، ضجيج داخلي، إحساس مستمر بعد الاستقرار، بالإضافة للسلوك العدواني وفرط الحركة الذي ارتفع بشكل ملحوظ كرد فعل طبيعي على النزوح المستمر، والهروب من القصف، الرصاص، والهروب اليومي في حياة النزوح بين الطوابير الطويلة للماء والطعام والبحث الدائم عن مكان آمن".

هذا النمط المتكرر من الحركة القسرية ومشاهد الموت بحسب عسقول، علم الطفل أن لا يستطيع الوقوف على أرضية ثابتة، ومع الوقت ظهرت أعراض أصعب، من اضطرابات النوم، والمشي أثنائه، إلى التأتأة والتبول اللاإرادي، ونوبات الهلع، اضافة إلى أعراض ذهانية مرتبطة بشكل مباشر بالمشاهد الوحشية التي عايشها من دماء وأشلاء وقتل. التأثير لا يقتصر على الأطفال فقط، بل يطال الفتيات بشكل مباشر، حيث ذكرت أن نسبة كبيرة من المراهقات اللواتي عملت معهن أظهرن أفكارًا انتحارية، أو محاولات انتحار، صنفت في معظمها على أنها غير مكتملة، لكنها تعكس مستوى خطيرًا من الانهيار النفسي والشعور بفقدان المعنى. 

على هذا الأساس، وأمام هذا الكم من الأعراض والتشوهات النفسية الناتجة عن الحرب، تعمل نوال عسقول عبر المبادرة التي تشرف عليها، والتي هي مبادرة فردية وتطوعية بسبب عدم وجود تمويل لهذا المشروع مع 250 طفل وطفلة من بينهم ٦٠ فتاة، تتراوح أعمارهم بين ١٥-١٨ عام، مستخدمة فيها أدوات علاجية تعتمد على اللعب والرسم والمسرح التعبيري، والحكاية بدل الحوار المباشر، وتوضح أن الأطفال لا يملكون غالبًا اللغة اللازمة لوصف ما عاشوه، ما يجعل التعبير غير اللفظي أحد أهم المداخل لفهم صدماتهم. الطفل لا يروي تجربته كما هي، بل كما يشعر بها، تقول مشيرة الى أن المساحات الآمنة التي تسمح للطفل بالتعبير الجماعي، تساعد في تخفيف الاحساس بالعزلة، وتعيد له تدريجيًا شعور السيطرة على تجربته".

تشرح عسقول أن أولى علامات الاستجابة النفسية الإيجابية تظهر عندما يبدأ الطفل بالتفاعل مع الآخرين، أو بإعادة إنتاج مشاهد أكثر أماناً في رسوماته وألعابه، بدل إعادة تمثيل الخوف نفسه، في هذه اللحظات لا يكون التعافي اكتمالًا، بل بداية لإعادة تنظيم الذاكرة، بحيث لا تبقى الصدمة مركزها الوحيد.

يفتح الرسم مثلًا خيال الطفل في تصوير ما يشعر به ورؤيته خارج أجسادهم، ما يمكن المعالج من الدخول في حوار مع تلك الصورة وفهم رموزها، وهذا ينطبق على بعض التقنيات الأخرى التي تستخدمها د. نوال من مجالات مثل البرمجة اللغوية العصبية (NLP) وتقنية الخط الزمني (Timeline Therapy)، لمساعدة الأطفال على كسر الصور النمطية المتأصلة عن الحرب والنزوح، والموت، والخوف، ليفتح مجالًا أمام  تجارب أكثر أمانًا. 

في النهاية، مهما تعددت النشاطات وأساليب العمل النفسي، تبقى حلولًا محدودة التأثير على الرغم من أهميتها، ويبقى الأكيد هو حق الشعوب، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال بعيش في مجتمعات آمنة تتمتع بحقوقها الأساسية بعيدًا عن أي صراعات وجولات عنف.

Date of publication
Author
Razane Abu Asaker