الصورة: روجيه أصفر - من الأرشيف
روجيه أصفر
كان اللبنانيون، خاصة من يعمل منهم في القطاع السياحي، يمنون أنفسهم بموسم سياحي واعد، يحققون فيه بعض المداخيل التي تعينهم على الاستمرار بقية أشهر السنة، وإن كان المقصود بالموسم السياحي لا السياح بالمعنى الحرفي للكلمة، بل اللبنانيين أنفسهم لكن المغتربين منهم. على أي حال، لم تطابق حسابات الحقل حسابات البيدر، إذ قلص تصاعد وتيرة الضربات العسكرية من نسبة المغتربين القادمين إلى لبنان للزيارة، وقلص مدة زيارة أولئك الذين خاطروا بالقدوم.
شارع بدارو المعروف بمقاهيه وحاناته ومطاعمه كان على الرغم من كل ذلك يعج بالحياة والرواد نهارًا وليلًا، ليشكل اقتصاد سياحة مصغر، من استثمارات تشغل عشرات المقاهي والمطاعم، وفرص عمل لمئات الموظفين والعمال، حتى الأيام الأخيرة من شهر أيلول/سبتمبر التي أتت لتعلن توقف الكثير من هذه المقاهي، أو إغلاق أبوابها باكرًا مع ساعات المساء الأولى.
بحسب كريم (اسم مستعار) الموظف في واحد من هذه المحال "مع توالي الضربات القوية على الضاحية بعد "ضربة البايجر"، تراجعت حركة الزبائن، وأصبح قدوم الموظفين من الضاحية أمرًا شديد الصعوبة، حتى فوجئنا بقرار المالكين وقف العمل مؤقتًا". الوقف المؤقت مدد مرة بعد مرة دون أي أمل واضح بالعودة إلى العمل، ما وضع الموظفين في موقف حرج، دون أي دخل يؤمن لهم أساسيات الحياة، في وقت عصيب قد يضطرون فيه إلى الانتقال وتغيير أماكن سكنهم وعائلاتهم إلى مناطق أقل خطورة، ما يتطلب مصاريف إضافية.
"توقف راتبي على الفور دون أي مراعاة لوضعي الهش، على الرغم من سنوات عملي بإخلاص في المقهى، دون حتى اتصال اطمئنان عن وضعي وعائلتي... لا أعتقد أن من حق المالكين معاملتي بهذه الطريقة... إن كنت أنا نفسي مالكًا أو مستثمرًا لكنت على الأقل دفعت نصف راتب لهؤلاء الموظفين حتى يتدبروا أمورهم الأساسية". مع ذلك، يصف كريم حالته بأنها أفضل من حال غيره من زملائه، إذ لديه عمل جانبي صغير بالإضافة إلى راتب زوجته الموظفة وإن كان ضئيلًا، معددًا مصاريفه الشهرية الثابتة التي تتجاوز 700 دولار بين فواتير كهرباء الدولة، واشتراك المولد، والمياه، والإنترنت، وهاتفه وهاتف زوجته، وإيجار البيت ورسوم الحضانة التي تهتم بطفله خلال عمل والديه، ليختصر حالته بجملة قصيرة: "لا أعرف كيف سأعيش وعائلتي غدًا".
أحد جوانب مشكلة كريم التي تشبه مشاكل كثيرين من زملائه وزميلاته يتمثل في صعوبة البحث عن عمل مماثل في أماكن أخرى، "جبيل أو البترون على سبيل المثال استقبلت الكثير من النازحين، وسمعت أن حركة المقاهي والمطاعم فيها ممتازة، لكنني لا أستطيع الانتقال يوميًا إلى هناك، كما أن استئجار غرفة صغيرة لضرورة العمل وتجنب الانتقال اليومي أمسى مستحيلًا مع ارتفاع الأسعار الجنوني جراء ارتفاع الطلب على المنازل والغرف بسبب النزوح".
تعتبر فئة موظفي المطاعم والمقاهي من الفئات الهشة في قطاع السهر والسياحة، فهم لم يكادوا يتعافون من أزمة الانهيار المالي التي رافقها خفض شديد في رواتبهم والإكراميات التي يتلقونها من الزبائن.
في المقلب الآخر يشرح جاد (اسم مستعار)، الشريك في أحد مطاعم منطقة شارع الحمرا، عن ظروف مطعمه، مشيرًا أولًا إلى التراجع الحاد في عدد الزبائن اليومي جراء اقتصارهم على أولئك المقيمين في المنطقة، والغياب الكامل للرواد القادمين من مناطق أخرى على جري العادة في السابق، "ولكن العمل في المطبخ قائم على قدم وساق بواسطة تبرعات المعارف والأصدقاء في لبنان والخارج، لإنتاج قرابة ألف وجبة ساخنة يوميًا توزع مجانًا على النازحين في مراكز الإيواء القريبة".
كل الموظفين في المطعم ما زالوا على رأس عملهم ويتقاضون رواتبهم كاملة، "وكمالكين لا نتوقع تحقيق أي أرباح هذا العام، إذ نعتبر عادة أن مداخيل أول ثمانية أشهر من السنة مخصصة لتغطية التكاليف التشغيلية والضرائب والصيانة... إلخ، في حين أن الربح يحصل من مداخيل الأشهر الأربعة الأخيرة من السنة... هذه السنة قد نضطر إلى دفع المال من جيوبنا، أو قد ننجح -إن شاء الله- في تغطية أكلافنا فقط، الأمر الذي يعد أيضًا خسارة في عالم الاستثمار".
تشير الأزمة الحالية التي تظهر في قصة كريم وأمثاله، إلى مدى سهولة تجاهل حقوق الموظفين وأمنهم المعيشي، من قبل بعض المستثمرين، في غياب قوانين فعالة، وجهات تسهر على تطبيقها لحماية حقوق الموظفين والعمال، حتى مع وجود أمثلة إيجابية كمثال جاد. في حين أن الحرب، تأخذ الأخبار وعدسات الكاميرات إلى الضحايا والجرحى والنازحين وأصحاب البيوت المدمرة أولًا، لتروي معاناتهم الكبيرة والمحقة دون شك، لكنها تنسى -مرات كثيرة- في خلفية المشهد، قصص معاناة ألوف من أمثال كريم، أخذتهم حرب لم يكن لهم رأي في خوضها، إلى معاناة ليسوا مستعدين لها، ولم تكن -ربما- في حسبان أحد.