الصورة ل ولات عبدو
في سوريا، لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد استجابة ظرفية لحالات الطوارئ، بل أصبحت حاجة ضرورية وركيزة بقاء لملايين الأشخاص الذين شردتهم الحرب، وحرمتهم من منازلهم وأمانهم واستقرارهم. ومع اتساع رقعة المعاناة، لا توزع المساعدات دائمًا وفق معيار الحاجة، بل تتقاطع مع اعتبارات النفوذ والعلاقات، لتطرح سؤالًا مقلقًا: من يقرّر من يستحق النجاة؟
ملك، نازحة في أوائل الثلاثينيات، أجبرت على ترك قريتها في ريف حلب الشمالي بعد سبع سنوات من الإقامة القسرية فيها تحت سيطرة فصيل مسلح. حين تعرضت منطقتها لقصف عنيف، لم يكن أمامها إلا أن تهرب بأطفالها الاثنين إلى القامشلي، ومنها إلى مدينة حلب، حيث تقيم الآن مع عمتها وزوجها في غرفة واحدة لا تتجاوز مساحتها عشرة أمتار مربعة.
"لم أتلق أي شيء، رغم أنني سجلت أكثر من خمس مرات"، تقول بصوت مبحوح. "ذهبت إلى ثلاث منظمات مختلفة، وتواصلت مع موظفين ميدانيين، وحتى عبر روابط واتساب، لكن كل ما سمعته كان: 'إن شاء الله قريبًا، وفي المرة القادمة سيصلكم الدور. انتظرت شهرًا ونصف، ولم أحصل إلا على سلة غذائية واحدة. فقط واحدة". تضيف: "على بعد بضعة أمتار مني، كان هناك عوائل أخرى تتلقى مساعدات دورية لأن لديهم معرفة بأحد موظفي المنظمات المتواجدين في القامشلي، أما عشرات العائلات مثلي، بقيت على قوائم انتظار غير مرئية، إلى أن أجبرت على اتخاذ قرار العودة إلى مدينة حلب".
سالم (اسم مستعار)، موظف ميداني في منظمة شريكة لوكالة إنسانية دولية، يقول: "الضغط علينا كبير. لدينا قوائم طويلة، والتمويل لا يغطي حتى نصفها. أحيانًا تطلب منا أسماء محددة مسبقًا، أو تضاف أسماء بوساطات من متنفذين محليين، أو حتى من داخل المنظمة نفسها".
الأولوية، كما يقول، ليست دائمًا للأكثر فقرًا، بل تمنح غالبًا لمن يمتلك علاقات شخصية أو يقيم في مناطق تحظى بموافقة الجهات الدولية الداعمة. بعض المناطق المهمشة، خاصة في دير الزور أو الرقة، أو تلك التي تخضع لسيطرة أطراف نزاع مع دول مجاورة، تحصل على دعم أقل مقارنةً بمناطق سورية أخرى. بل إن هناك مناطق لا تصلها فرق التقييم أساسًا، فكيف يمكن أن تدرج ضمن خطط التوزيع إن لم تحتسب أصلًا على خريطة الاحتياج؟".
من خلال الشهادات والملاحظة الميدانية، يتضح نمط تهميش معقد: النساء، والنازحون الجدد، والمقيمون في مناطق خارج النفوذ السياسي أو العسكري، بالإضافة إلى البعد الديني والطائفي في بعض الحالات، غالبًا ما يستثنون من الدعم. لا توجد آلية تظلم فعالة، ولا جهة محلية أو دولية تستجيب بجدية للشكاوى.
الحرمان من المساعدات لا يظهر من حيث الكمية فقط، بل أيضًا من حيث النوعية والاستمرارية. فبينما تصل سلال غذائية شهرية إلى بعض الأحياء، بالكاد تصل مساعدات متقطعة لا تكفي أسبوعًا إلى مناطق أخرى.
لا يتجلى التمييز في شكل واحد، بل يأتي مركبًا ومتداخلًا، حيث تتقاطع عوامل الجنس والنوع الاجتماعي، والوضع القانوني، والموقع الجغرافي، والانتماء السياسي أو الإثني أو الديني أو الطائفي، لتنتج درجات مختلفة من الإقصاء. فالنساء النازحات مثل "ملك"، لا يقصين فقط لأنهن نازحات، بل أيضًا لأنهن نساء بلا معيل، خارج شبكات العلاقات التي تفتح الأبواب. بعضهن يعشن في مناطق تعتبر "رمادية" سياسيًا أو عسكريًا، ما يجعل حضورهن في قوائم الاستحقاق هشًا أو معدومًا. هذه التركيبة المعقدة للتمييز تجعل من الصعب معالجته بخطوات سطحية أو بحلول عامة، لأن المظالم متأصلة في منظومات النفوذ والهشاشة، وليست ناتجة عن خلل عابر في آلية توزيع.
في المقابل، يظهر الصمت الرسمي في غياب أي موقف معلن من الجهات الإنسانية أو السلطات المحلية تجاه هذا النمط من التمييز. لا تعترف علنًا بالممارسات التفضيلية أو بالخلل في نظم التوزيع، ولا توجد تقارير شفافة تظهر أين تذهب المساعدات، ومن يقصى منها ولماذا. تتراكم الشكاوى دون ردود، وتبقى المجتمعات في حالة انتظار دائم، أمام مؤسسات تكتفي غالبًا بلغة العموميات. هذا الصمت لا يعني عدم المعرفة بالضرورة، بل ربما يعكس تواطؤًا ضمنيًا، أو عجزًا عن التصدي لسلطة الواسطة والنفوذ التي تتدخل في عمل المنظمات. بالنتيجة يتعمق الشعور باللاعدالة، وتقوض أسس الثقة بين الضحايا والمنظومات التي يفترض أن تحميهم.
عقب تقليص التمويل الأميركي خلال العامين الماضيين، اضطر برنامج الأغذية العالمي إلى خفض عدد المستفيدين، كما توقفت العديد من مشاريع دعم التعليم والرعاية الصحية في مناطق واسعة. ورغم استئناف جزء من المساعدات مؤخرًا، ظل الأثر عميقًا، لا سيما على الفئات الأشد ضعفًا: النساء المعيلات، والأسر النازحة، وذوي الاحتياجات الخاصة. تفاقمت الفجوات في الاستجابة، وتوسّعت شبكات "الواسطة" والمحسوبيات، ما أجبر المجتمعات على تدبر احتياجاتها عبر مبادرات محلية محدودة، تفتقر إلى الاستدامة ولا تلبي سوى جزء يسير من الضروريات الأساسية.
في بلد تنهشه الانقسامات السياسية والعسكرية، باتت خريطة النفوذ ترسم خريطة النجاة. ومع غياب الشفافية والمساءلة، تتراجع الثقة يومًا بعد يوم بين المجتمعات المحلية والجهات الإنسانية. هناك حاجة ملحة لإعادة بناء الثقة، عبر حيادية التوزيع بوضع معايير واضحة، ومعلنة، وقابلة للمتابعة، وآليات شكاوى فعالة يشرف عليها طرف مستقل، تفضي إلى نتائج ملموسة. وأخيرًا، توجيه الدعم للمناطق المهمشة بعيدًا عن خريطة المحسوبيات السياسية أو الولاءات.
في نهاية المطاف، تبقى الأسئلة التي همست بها ملك، وعبر عنها سالم، بلا إجابات حاسمة:
كيف يمكن تحقيق عدالة حقيقية في توزيع المساعدات حين تتفوّق شبكات النفوذ على شبكات الإغاثة؟
ماذا يعني "الاحتياج" عندما تحدّده الجغرافيا والتوازنات السياسية؟
وهل تكفي عودة التمويل وحدها لاستعادة الثقة المفقودة؟
قد لا تقدم هذه المدونة كل الإجابات، لكنها تسعى لفتح نافذة على واقع مسكوت عنه؛ على حكايات تروى همسًا في زوايا المخيمات، وعلى أرصفة المدن المنسية، حيث تساوم الكرامة يوميًا على عتبات المؤسسات الإنسانية.