الصورة لسمير كاتب
مع فجر الثامن من كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، طُويت صفحة دامية من تاريخ سوريا الحديث. صفحة التصقت بشدة بوجدان السوريين، حتى أنها مزّقت معها آمال شعب ناضل على مدى ستين عامًا للتخلص من نظام قمعي خنق أحلام الجميع.
قد خلق هذا الواقع الجديد حالة من الأمل لدى المواطنين بأن أبواب الحرية الموصدة ستُفتح مجددًا، وأن الكرامة الغائبة ستعود، حاملة معها وعدًا بإنهاء الفساد والمحسوبية وحكم "مزرعة الأسد". غير أن الأيام الأولى لما سُمّي بالتحرير كشفت عن توجه مغاير في إدارة المشهد القضائي، إذ اتبعت سياسة "التجميد"، أي إيقاف العمل بالإجراءات المتبعة، ثم إعادة البناء التدريجي، من خلال تعديلها أو إلغاءها، حيث أوقفت السلطة العمل بالكثير من القوانين والإجراءات المتبعة كخطوة أولى، ثم عدّلت بعضها، وألغت بعضها الآخر.
عقب تسلم الإدارة الجديدة للسلطة، توقفت الحياة القضائية بشكل شبه تام. أفرغت السجون، وأطلق سراح المتهمين والمجرمين، وبدأت السلطة الجديدة بفرض سطوتها على مفاصل الدولة، وكان القضاء من أبرز أهدافها. فرض وزراء "حكومة الإنقاذ" -التي كانت تدير إدلب- أنفسهم كوزراء للحكومة السورية المكلفة بتصريف الأعمال، وتولى الشيخ شادي الويسي، الداعية ومدرس التعليم الديني، حقيبة وزارة العدل، خلفًا للقاضي القانوني أحمد السيد.
أثار هذا التعيين امتعاضًا واسعًا لدى السوريين، خاصة بعد تداول مقاطع مصورة تُظهر الويسي مشرفًا على تنفيذ حكم الإعدام رميًا بالرصاص بحق امرأتين بتهمة الزنا. أعقب ذلك سلسلة من القرارات التي أعادت تشكيل بنية القضاء بما ينسجم مع التوجه الديني للسلطة الجديدة، حيث أقيل جميع المحامون العامون، وحل مكانهم شيوخ وفقهاء.
صدرت أوامر بتجميد الحركة القضائية، فمُنع تسجيل الدعاوى واستكمال القضايا السابقة، وتوقفت عمليات البيع والشراء بحجة منع تهريب أملاك "فلول النظام". توقفت المحاكم عن النظر في الدعاوى والبت فيها، وصرف عدد كبير من موظفي العدليات، فضلًا عن تسريح عناصر الشرطة والضابطة العدلية. ومع دخول العام الجديد، بقيت الآمال تجاه إعادة تفعيل العمل القضائي معلقة.
في التاسع من كانون الثاني/يناير، أُعلن عن عودة القضاء إلى العمل. لكن الأمور بقيت راكدة في بحر الجمود بينما تتسارع الأحداث وتتراكم معاملات الناس، ما زاد الأوضاع تعقيدًا ودفع كثيرين لحلول بديلة خارج الأطر القانونية، كالعقود غير الموثقة وتصفية الحقوق بشكل غير رسمي، والاستغناء عن الأصول القانونية السليمة لصالح الاشاعات، وهو ما ينذر بأزمات قانونية لاحقة.
في شباط/فبراير، تم حل مجالس فروع المحامين المنتخبة في عهد النظام السابق، وعيّن بدلًا عنها أعضاء جدد. وتحت ضغط الواقع والنقابات، بدأت بوادر انفراج تدريجية، فاستؤنِف البتّ في الدعاوى، وسمح بتسجيل دعاوى جديدة، وإصدار الأحكام في القضايا. كما عادت دوائر تنظيم الوكالات القضائية للعمل ببطء، دون تفسير واضح لهذا التدرج.
في نيسان/أبريل، ولدت حكومة انتقالية، وجرى تعيين الشيخ الطبيب مظهر الويس وزيرًا للعدل، وهو تعيين اعتبر غريبًا عن البيئة القضائية السورية التي اعتادت أن يكون الوزير مختصًا في القانون. إلا أن القضاء شهد لاحقًا عودة جزئية لصلاحياته، فعادت دائرة المحضرين (الموظفون الذين يبلغون المذكرات للمواطنين المعنيين بالدعاوى القضائية) للعمل بعد توقف طويل، واستؤنفت التبليغات، وبدأت الحياة تعود شيئًا فشيئًا إلى القصر العدلي. لكن رغم ذلك، بقيت المؤسسات المساعدة -كالدوائر العقارية والمالية والنفوس- ترفض تنفيذ الأحكام أو تسجيل الوقائع الصادرة عن المحاكم، وحتى كتاب العدل لم يسمح لهم بتنظيم الوكالات العامة، ما يعكس تعطيلًا متعمدًا للمرفق القضائي.
ما زاد المشهد تعقيدًا، هو صبغ العدليات بالطابع الديني المحافظ، إذ غلبت على السلوك العام لقيادات القضاء توجهات مستمدة من تجربة دينية منغلقة -تجربة إدلب- على حساب الطابع المدني والمجتمعي السوري. وقد فُرض نظام أحادي الفكر واللون، واستبدلت كفاءات قضائية بشيوخ لا يمتلكون تأهيلًا قانونيًا رسميًا.
بمقارنة بسيطة مع عهد الأسد، فرغم فساد النظام السابق، فإنه التزم بالبروتوكول القانوني وبحد أدنى من الكفاءة، فلم يكن يعين قاض أو وزير عدل إلا من أهل القانون، ولم يسمح لأي توجه ديني بالتغلغل في القضاء المدني، خلافًا لما نشهده اليوم من عدم وضوح الفصل بين الدين والدولة ما يوحي بتوجه نحو دولة دينية، وتغييب كفاءات قانونية متخصصة، وتقييد الحريات.
مع السلطة الجديدة، بقي القضاة السابقون في مواقعهم الدنيا، بينما تسلم طلاب الشريعة وشيوخ الدين المناصب القضائية العليا، بدءًا من وزير العدل مظهر الويس، إلى رئيس محكمة النقض الشيخ أنس منصور، رغم أن القانون يشترط خبرات خاصة لشغل هذا المنصب (المادة 76 من قانون السلطة القضائية لعام 1961). كما شكلت لجنة تفتيش ضمت ثلاثة شيوخ في كل محافظة لفحص خلفيات القضاة، وانتهجت اللجنة أسلوبًا طائفيًا في أسئلتها، بل وتجاوزت ذلك بحسب شهادات شخصية إلى توبيخ الذكور على عدم إطلاق لحاهم، والنساء لعدم ارتداء الحجاب.
إن المرفق القضائي ركيزة أساسية لأي دولة تسعى لتحقيق العدالة وضمان الحقوق والحريات، وركيزة للاستقرار وبناء الثقة بين المواطن والدولة. واليوم، في ظل الانقسامات على الأرض، وتعدد السلطات القضائية بين مناطق "قسد" ومناطق "هيئة تحرير الشام" ومناطق "النظام السابق" والممتد للنظام الحالي المعترف بسلطته القضائية رسميًا، تبقى المعضلة الكبرى في توحيد المؤسسات القانونية تحت مظلة دولة سورية جديدة تلتزم بالقانون، لا بالإيديولوجيا، فالقوانين التي طورتها كليات الحقوق عبر عقود ليست نتاج نظام الأسد، بل ثمرة تراكم خبرات المجتمع السوري بجميع أطيافه، ومن غير المقبول أن تفرض رؤية قانونية ذات طيف ديني متشدد قد لا تمثل حتى غالبية المسلمين، أو أن تُسند مناصب قضائية لمجرد الولاء العقائدي.
يبقى المرفق القضائي عصب الحياة المدنية، وعنصرًا حاسمًا في الانتقال من الصراع إلى بناء سوريا الجديدة. ومن الضروري دعمه محليًا ودوليًا باعتباره ركيزة دولة المواطنة والقانون، واحترام التنوع، بعيدًا عن أي توجه فكري أو أيديولوجي يهدد مسيرة العدالة، ويقوض مستقبلًا يفترض أن يكون أكثر عدلًا واستقرارًا.