حرش بيروت 2026. المصدر: ميريام يونس
يُعَدّ حرش بيروت أكبر مساحة خضراء عامّة في المدينة. وكانَ في الأصل غابةً طبيعية تقع على أطراف مدينة بيروت الآخذة في التوسُّع. يعود تاريخه إلى أوائل القرن السابع عشر خلال الحقبة العثمانية، حين كانَ يمتدّ على مساحة ١.٢ مليون متر مربّع. وفي ستّينيات القرن الماضي، سُيِّجَت الغابة وأُعلِنَت رسميًا "حديقةً عامّة". ولكنَّ جزءًا كبيرًا منها دُمِّر خلال الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢. أمّا اليوم فيُغطّي الحرش مساحةً قدرها ٠.٣ كيلومتر مربّع تقريبًا، ويربط بين عدد من الأحياء السكنية المتنوّعة، منها الشياح والغبيري وطريق الجديدة وبدارو. ظلَّ الحرش مغلقًا أمام العموم من عام ١٩٨٢ حتّى عام ٢٠١٥، قبل أن يُعاد افتتاحه رسميًا في عام ٢٠١٦، بعد ضغوط مارسَتْها جهات فاعلة في المجتمع المدني لاستعادته كحيّز عام للمواطنين/ات في بيروت.
حصلَ لقائي الأوّل مع حرش بيروت في خريف عام ٢٠١٩ خلال موجة الاحتجاجات الواسعة في لبنان وفي بداية الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلد. وسط حالة الفوضى والضياع وبصيص الأمل الخافت في تلك الفترة، كُنتُ أرتاد الحرش أحيانًا لتصفية ذهني أو للقاء الأصدقاء. خلال هذه الزيارات، تعرّفْتُ على مجموعةٍ من الشابّات من الضاحية الجنوبية كُنّ يجتمعْنَ في الحرش لقراءة القرآن ومناقشة ما يقرأْنَه. كُنَّ جميعهنّ في مطلع العشرينيات، متديّنات بشكل واضح، ومُؤيِّدات لحزب الله. مع الوقت، تبادلْنا أحاديث مقتضبة حول الحرش، والحياة اليومية، وأسباب وجود كلٍّ منّا في المكان. برزَ بيننا قدرٌ من التعاطف المتبادل، رغم الاختلاف الواضح في نظرتنا للعالم. فبينما كُنتُ أرى أنَّ الاحتجاجات تُشكِّلُ فرصةً لإحداث نقلة نوعية اجتماعية وسياسية في لبنان، كانت الشابّات مُقتنِعات بالصواب الأخلاقي والديني والسياسي لدور حزب الله في لبنان، وبالتالي كُنَّ يدافعْنَ عن الوضع الراهن آنذاك.
بعد بضعة أشهر، أُغلِقَ الحرش أمام العموم بسبب تفشّي جائحة كوفيد-١٩، وتراجعت وتيرة الاحتجاجات تدريجيًا، وتلاشت آمال البداية الجديدة، ودخلَ لبنان في حلقة مُطوَّلة من الأزمات واليأس، من انفجار مرفأ بيروت في ٤ آب/أغسطس ٢٠٢٠ إلى التداعيات العميقة والمستمرّة للانهيار الاقتصادي. ولم أعرف يومًا ما الذي حلَّ بتلك المجموعة من الشابّات.
ومع ذلك، ظلَّ الحرش مكانًا أعودُ إليه بانتظام، ربّما بسبب قربه من منزلي. يقع الحرش في قلبِ مدينةٍ صاخبة ومكتظّة، إلّا أنَّه يحتفظ بجماله في مختلف الفصول: ففي الخريف والشتاء، تجعله الأمطار أكثر خضرةً وانتعاشًا؛ وفي الربيع، تتفتّح الأشجار والزهور، فتغمره الألوان. كُنت أرتاده أساسًا للاستمتاع بالهدوء والابتعاد مؤقّتًا عن صخب الحياة في المدينة. ولكنْ، كلّما تكرَّرَتْ زياراتي، وكلّما ازدادَ تفاعُلي مع روّاد الحرش وملاحظتي لما يجري فيه، بدأتُ أرى إلى أيّ مدى يعكس هذا المكان التوتُّرات والانقسامات، وكذلك أشكال التقارُب والتواصل في النسيج الاجتماعي للبلد. وبحُكم موقعه قرب أربعة أحياء متنوّعة اجتماعيًا واقتصاديًا وطائفيًا، أصبحَ الحرش وجهةً مُفضَّلة لسكّان هذه المناطق، لا سيّما في عطلة نهاية الأسبوع، للنزهات وممارسة الرياضة ولعب الأطفال والاسترخاء. وفي حين أتاحَ هذا التنوُّع فُرَصًا للتفاعُل والتعارُف بين روّاد الحرش، إنَّما شكَّلَ أيضًا ذريعةً لإلقاء اللوم على "الآخر" في أيّ إشكاليات مرتبطة بالمكان. فمن الاتجار بالمخدّرات، والتحرّش، ورمي النفايات، والضوضاء، إلى الإضرار بالطبيعة، وعدم احترام الخصوصية، أو حتّى مجرّد السلوك أو المظهر غير المألوف، بدا وكأنَّ الكثير من الزائرين/ات يعرفون تمامًا أيّ فئة مسؤولة عن عدم مطابقة الحرش لما يتوقّعونه: مكانًا آمنًا، نظيفًا، جميلًا، ويحظى بالعناية اللازمة.
بطريقةٍ ما، امتدّت هذه الدينامية إلى ما يتجاوز الحضور البشري. كُنتُ أزور الحرش بانتظام للاهتمام بعدد متزايد من الحيوانات الشاردة، من قطط وكلاب تُرِكَت في هذا المكان أو وجدت طريقها إليه. وكانت الكلاب على وجه الخصوص مصدرًا دائمًا للتجاذب. كانَ بعض الأشخاص يقصدون الحرش تحديدًا لزيارتها، حامِلين لها الطعام ومُطلِقين عليها أسماء؛ لكنَّ آخرين كانوا يؤكّدون مرارًا أنَّ الحرش مخصّص للناس، لا للحيوانات، وأنَّ هذه الحيوانات الشاردة تُشكِّل خطرًا على بقية الزائرين/ات.
في خلفية هذه الشكاوى والخلافات، يُطرَحُ سؤالٌ أساسيّ: لِمَنْ "ينتمي" حرش بيروت، وما هي القواعد التي تُنظِّم استخدامه؟ في ظلّ غياب أيّ إرشادات واضحة حول كيفية استخدام الحيّز العام، وفي بلدٍ يُعاني أصلًا من ندرة هذا الحيّز، كانَ كلّ فرد أو كلّ مجموعة يميل/تميل إلى الإجابة عن هذا السؤال وفق تصوّراته الخاصّة.
في خريف عام ٢٠٢٤، ومع تصاعد الحرب بين حزب الله وإسرائيل على مدى شهرَيْن، لجأت عائلات نازحة كثيرة من الجنوب أو من الضاحية الجنوبية إلى الحرش هربًا من القصف اليومي. في الأيّام الأولى، تَحوَّلَ الحرش بسرعة إلى مخيّم مفتوح ومكتظّ: نصبَ الناس خِيَمًا، وخزّنوا ما استطاعوا حمله من حاجياتهم/نَّ الأساسية، ونقلوا روتين حياتهم/نَّ اليومية إلى داخل الحرش. وإلى جانب الحيوانات الشاردة المقيمة أصلًا في المكان، أحضرت عائلات نازحة كثيرة حيواناتها الأليفة معها: قطط وكلاب، بل وحتّى ديكٌ كانَ يتجوّل بحرّية في أنحاء الحرش. وتكيَّفَ سكّان الأحياء المحيطة إلى حدٍّ كبير مع هذا الواقع الجديد، بروحٍ من التضامن والتعاطف. وكانت مبادرات الإغاثة المحلّية والمنظّمات غير الحكومية تمرّ يوميًا لتلبية احتياجات النازحين/ات، عبر توزيع الطعام والمياه والملابس وغيرها من المستلزمات الأساسية.
ولكنَّ هذه الدينامية بدأت تتغيّر عند مرحلة معيّنة، وعادَ سؤال "ملكية" الحرش إلى الواجهة: بدأت تنتشر معلوماتٌ مفادُها أنَّ البلدية لن تسمح إلّا للعائلات اللبنانية بالبقاء داخل الحرش. وبعد أيّام قليلة، عندما زرتُ الحرش، كانت العائلات غير اللبنانية (وخاصّةً السورية والفلسطينية) قد نقلت خِيَمها إلى خارج مدخل الحرش. وبعد أسبوع آخر، لم يتبقَّ داخل الحرش سوى عدد محدود من العائلات اللبنانية، إذ جرى نقل معظمها إلى مركز إيواء رسمي في مدرسةٍ في الكرنتينا. وعندما سألْتُ مَنْ بَقِيَ منهم/نَّ عن كيفية تمكُّنهم/نَّ من البقاء، أوضحوا أنَّهم/نَّ استعانوا بمعارفهم/نَّ الشخصية لتفادي المغادرة. وفَضَّلوا البقاء في الحرش على الانتقال إلى مراكز الإيواء الرسمية، نظرًا لقربه من منازلهم/نَّ، ما أتاحَ لهم/نَّ تفقُّد ممتلكاتهم/نَّ والبقاء ضمن بيئة مألوفة.
في اليوم التالي لإعلان وقف إطلاق النار، قمتُ بجولتي المعتادة في الحرش، مُتوقِّعةً أن أُودِّعَ الأشخاص الذين اعتدت رؤيتهم/نَّ يوميًا في الشهرَيْن السابقَيْن. لكنَّ الحرش كانَ فارغًا. كانَ الجميع قد غادروا خلال الليل أو في ساعات الصباح الأولى. ولم يبقَ سوى بعض الفرشات، وعلب فارغة، وأدوات بلاستيكية، تدلّ على أنَّ الحرش كانَ قبل أربع وعشرين ساعة فقط مأوى مؤقّتًا لعشرات النازحين/ات. وسرعان ما عادت الحياة إلى وتيرتها المعتادة: عادت الكلاب والقطط إلى أماكنها المعتادة قرب المدخل، بانتظار الطعام والاهتمام، وعادَ الروّاد المعتادون للظهور، يمارسون الرياضة، أو يلتقون بالأصدقاء، أو يستمتعون بالمكان. وعادَ الحرش لينتمي "لنا نحن" مجدّدًا، أيًّا يكن المقصود بهذه الـ "نحن"، وعادت معه الخلافات والنزاعات ذاتها شيئًا فشيئًا.
منذ حوالي ثلاثة أسابيع، عُدنا إلى حالة الحرب من جديد. وكما في السابق، أُجبِرَ مئات آلاف الأشخاص على مغادرة منازلهم/نَّ بشكلٍ مفاجئ، في ليلة شتوية باردة. وكما حدثَ من قَبْل، توجَّهَ كثيرون إلى الحرش بحثًا عن ملاذٍ آمن من القصف في مساحته المفتوحة. ولكنَّ الأمور سارت هذه المرّة بشكل مختلف عن الحرب السابقة: فقد قرّرت البلدية إغلاق الحرش أمام النازحين/ات. سُمِحَ للناس بقضاء بعض الوقت داخله واستخدام المراحيض، إنَّما لم يُسمَح لأحد بنصب خيمة أو المبيت فيه. وفي ظلّ التقديرات التي تُشير إلى نزوح نحو مليون شخص في مختلف أنحاء البلد، بدا مشهد الحرش الفارغ المُحاط بأحياء تتعرّض للقصف يوميًا وكأنَّه ردٌّ عبثيّ على السؤال التالي: لِمَنْ ينتمي الحرش؟ في المقابل، استقرَّ مئات الأشخاص في محيط الحرش، ونصبوا خِيَمهم على الأرصفة المحيطة به. وحتّى اليوم، لا يزال الحرش نفسه شبه خالٍ، فيما تتكدّس عند مداخله وعلى الأرصفة الواسعة المحيطة به الخِيَم والسيّارات والملابس والحاجيات الأساسية، ويجلس الناس معًا، يتبادلون الحديث، ويحاولون قدر الإمكان التأقلم مع واقعهم/نَّ.
وكما في المرّة السابقة، ظهرَتْ بسرعة مبادراتٌ فردية ومنظّماتٌ غير حكومية لدعم النازحين/ات، غير أنَّ المشهد كانَ مختلفًا بشكلٍ ملحوظ. فبينما كانَ الحرش، بمساحاته الخضراء المفتوحة، يُوفِّرُ في السابق قدرًا من الخصوصية والهدوء، تحوّلت الأرصفة المحيطة به بسرعة إلى فضاءات مكتظّة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من المساحة أو الراحة. ومن الصعب تجاهُل ملامح الإرهاق والضيق على وجوه الناس. إنَّهم/نَّ يعيشون/يعشْنَ حالةً يومية من عدم اليقين والخوف، في غياب أيّ تصوُّر واضح لما قد يأتي لاحقًا. تظهر التوتُّرات باستمرار، سواء بين النازحين/ات أنفسهم/نَّ، أو بينهم/نَّ وبين المارّة، أو مع الحيوانات الشاردة، أو العاملين/ات في مجال الإغاثة، أو حرّاس الحرش، وذلك بشأن مسألة المساحة، والخصوصية، والغذاء، والمساعدات، والسياسة. وفي ظلّ مشهد الحرش الهادئ والخالي في الخلفية، بدا أنَّ سؤال "لِمَنْ ينتمي الحرش؟" قد انتقلَ إلى أرصفة قاسية ومكتظّة، ليطرح مسألة مَنْ يحقّ له استخدام الحيّز العام، لا بل أيضًا إلى متى يمكن لهذا الوضع أن يستمرّ.
ما زلتُ أمرّ بالمكان يوميًا تقريبًا. أُساهِمُ في مبادرةٍ لدعم النازحين/ات هناك، وأتفقّد الحيوانات الشاردة، وقد نشأت بين بعضها وبين الوافدين الجدد علاقة غير متوقّعة، يتقاسمون فيها الطعام والدفء والرفقة. أخبرَتْني إحدى العائلات النازحة مؤخّرًا أنَّ كلبَيْن من الكلاب الشاردة تَبِعاهم إلى منزلهم في الشياح عندما عادوا لجمع بعض الأغراض. وقالوا: "انتظرا في الأسفل بينما كُنّا نحزم أمتعتنا، ثمَّ عادا معنا إلى الحرش. شعرتُ أنَّهما أرادا حمايتنا". وقد اشترت العائلة طعامًا للكلبَيْن تعبيرًا عن الامتنان. تُذكِّرُنا هذه القصص بأنَّ الحرش، حتّى في أوقات النزاع والأزمات، يبقى مساحةً يلتقي فيها الناس والحيوانات، ومكانًا لا يزال يتيح قدرًا ولو بسيطًا من الطمأنينة والعزاء.