الصورة من صفحة اغنا لغنا على فايسبوك: https://www.facebook.com/EgnaLegnaBesidet
سمعت "أمارا" كثيرًا عن الصعوبات التي قد تواجهها خلال عملها في لبنان، حتى قبل أن تسافر من قريتها في أثيوبيا إلى لبنان للعمل في الخدمة المنزلية رغبة في تحسين مستقبلها ومستقبل عائلتها، "لكني لم أتخيل أن أجد نفسي مرمية دون أوراق رسمية في الشارع، في بلد يعاني من حرب وقصف وموت".
قد تختصر قصة أمارا قصة كثيرات من العاملات في الخدمة المنزلية الآتيات من بلدان أفريقية وشرق آسيوية، عدد غير محدد، يقدر بالمئات، لهؤلاء العاملات اللواتي وجدن أنفسهن بلا مأوى ولا معونة بعد دمار بيوت مشغليهم أو نزوح عائلاتهم إلى مناطق أخرى تبدو أكثر أمانًا.
تقول أمارا أن إنذارًا إسرائيليا ورد قبل أسبوعين يطلب إخلاء القرية التي كانت تعمل في واحد من منازلها جنوب لبنان. حملت العائلة التي كانت تعمل لديها بعض الأغراض في سيارتين، وأخذوها وانطلقوا. بعد ساعتين أو ثلاثة أنزلوا أمارا عند مستديرة الدورة مع حقيبة جمعت فيها بعض ثيابها، وتابعوا سيرهم شمالًا، "وكأنهم تركوا كرسيًا قديمًا وراءهم".
في الأسابيع الماضية شوهدت مجموعات كبيرة من العاملات الأجنبيات يفترشن الأرصفة في وسط المدينة، وقرب عين المريسة وأماكن أخرى، في حين استقبل دير الآباء اليسوعيين في شارع مونو-الأشرفية عدد منهن مؤمنًا لهن المنامة والحاجات الأساسية. أما مراكز الإيواء التي فتحت من قبل الحكومة وبعض المبادرات الفردية، فقد اقتصر أغلبها على استقبال اللبنانيين دون غيرهم.
تحمل السيدات قصص كثيرة عن صديقات لهن فقد الاتصال بهن بعض هجمات إسرائيلية على الأحياء السكنية، أو حتى موت إحداهن جراء القصف دون أن تجد من يهتم بدفنها وتحديد هويتها وإبلاغ سفراتها بمصيرها.
عند سؤال هؤلاء السيدات عن حاجاتهن، تأتي إجابات متنوعة: مأوى، مأكل، أدوية، نقود... لكن جوابًا واحدًا من إحداهن تبدو أكبر سنًا، يختصر الكثير: "نحتاج كل ما يحتاجه المواطن اللبناني النازح في هذه الظروف"، وتكمل بالعامية "متلنا متلو".
في شهادة مقتضبة لناشطة تحاول مساعدة هؤلاء السيدات، تقف بدهشة أمام سلوك بعض الكفلاء الذين قرروا ببساطة ترك عاملاتهم وسط الشارع، دون جواز سفر، ودون لغة كافية للتواصل، ولا نقود كافية لتأمين الضروريات، وتسحب دهشتها إلى كثير من مراكز الإيواء التي ترفض استقبال غير اللبنانيين، لتختصر الوضع برأيها: "لو كان هؤلاء، الكفلاء ومسؤولي مراكز الإيواء، يرون في العاملة المنزلية إنسانًا مساو لهم في المنزلة، في الكرامة والحقوق، لما فعلوا ما فعلوه، ولما كنا في هذا الوضع البائس اليوم".
بعيدًا عن الحاجات الحيوية المتنوعة لهؤلاء السيدات، الضائعات بين قلة مسؤولية مشغليهم، وضياع الدولة اللبنانية، وفشل سفارات وقنصليات بلادهم، تبرز تجربة مبادرة نفذت قبل 4 أعوام وطاولت عشرات من العاملات اللواتي واجهن التشرد مع الانهيار المالي الذي شهدته البلاد. حينها، طردت أو تركت مئات العائلات عاملاتهم يواجهن مصيرهن في الشارع أو أسفل المباني التي تضمن سفارات بلادهن القاصرة.
قامت المبادرة في حينه بالتنسيق مع القنصل المعني والأمن العام اللبناني ومجموعة من العاملات، لتأمين المأوى والحاجات الأساسية للعاملات بانتظار سفرهن، ثم تحضير الأوراق الرسمية اللازمة للسفر بالتعاون مع الأمن العام، سواء للسيدات اللواتي بحوزتهن جواز سفرهن أو اللواتي حرمن منه وبقي في حوزة كفيلهن، بالإضافة إلى حجز بطاقات السفر. كانت النتيجة مساعدة عشرات العاملات على النجاة من جحيم وقعن ضحيته دون أي ذنب، وتوفير المساعدة الأهم لهن، أي العودة إلى بلادهن حيث يمكن أن يتعافين مما شهدنه، بدل مكوثهن في لبنان دون أفق ودون مساعدة كافية، تفتح عليهم أبواب استغلال قد لا تنتهي.
قد تكون مساعدة هؤلاء السيدات على السفر إلى بلادهن هو الحل الأفضل – الذي وافقت كثيرات منه عليه- بدل استنزاف الموارد شحيحة في تأمين المأوى والمأكل والحاجات الأساسية الأخرى لهن، لكن الظرف الحالي في لبنان يجعل هذه المساعدة شديدة الصعوبة، فالموارد غير متوفرة، والتنقلات صعبة، ومن غير المتوقع أن يكون التنسيق مع القناصل والسفراء المعنيين والأمن العام اللبناني، وحتى توفر بطاقات السفر، بالسلاسة والسهولة التي كانت عليها قبل 4 سنوات، رغم الإنهيار المالي حينها.
في غياب حلول جدية ومستدامة، يشكل التضامن بين العاملات أنفسهن، وبعض المتعاطفين معهن، حلًا مؤقتًا لبعض العاملات، من خلال تقاسم أماكن السكن والموارد الضئيلة المتوفرة، لكن يبقى من الضروري تأمين مأوى كاف لهؤلاء السيدات مزودًا بالحاجات الأساسية، بانتظار حلول أكثر جدية واستدامة مثل محاولة التنسيق مع الجهات المعنية لتسهيل سفر السيدات العاملات بعد تأمين كلفة السفر لهن، ربما عبر إطلاق حملة تبرعات لهذا الغرض.
تطول الحرب الحالية بتأثيراتها كل فئات المقيمين على الأراضي اللبنانية بدرجات مختلفة، وقد تكون عاملات الخدمة المنزلية أكثرهن ضعفًا وهشاشة، على نحو يعيد التذكير بضرورة إلغاء نظام الكفالة، وشكل العلاقة القانونية بين العاملات ومكاتب الاستقدام والكفلاء، على نحو يضمن للعاملات حقوقهن الأساسية، ولا يجعلهن أسيرات الفوضى وعدم الاهتمام. في انتظار ذلك اليوم، يشكل دعم المنظمات والمبادرات القليلة العاملة مع هؤلاء السيدات حاجة أساسية لحفظ كرامتهن وتوفير حاجاتهن الأساسية.