تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مآسي الأيتام خلال العدوان على لبنان: كيف صمدوا في وجه التهجير والدمار؟

الصورة لـ فاروق رزق

إلى جنوب لبنان حيث للحكاية تتمة لا تنتهي مع إعلان وقف اطلاق النار أو وقف التمديد له. تطول الحكايات، لكن يمضي بعض أبطالها بعزم وإيمان بمستقبل أفضل، وبعضهم يصارع في صفحات حكايته عله ينجو. في مراكز الأيتام قصص عديدة، فناهيك عن ماضي أبطالها وقصصهم، يعايش أيتام الجنوب محاور جديدة من المعاناة بفعل الحرب.

"كنت خائفًا من أن أموت أو أن أفقد أمي أيضًا" هذا ما قاله أحد أيتام الجنوب، نقلًا عن مسؤولة في جمعية المبرات الخيرية. أطفال لا ذنب لهم لكنهم قد وُلِدوا في أرض مزقتها الصراعات، ووجدوا أنفسهم في مكان يفتقر للطمأنينة، فلا أم تحنُّ عليهم ولا أب يطمئنهم.

تمتد مراكز إيواء الأيتام في الجنوب اللبناني على قرى عديدة منها قرى بنت جبيل والخيام وصولًا إلى صور والنبطية. أغلقت هذه المراكز أبوابها مع الأسابيع الأولى للتصعيد الإسرائيلي في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، لكنها كافحت لتقدم المعونة لأيتامها من خلال تأمين مراكز  بديلة وطرق جديدة تتلاءم مع الظروف المستجدة.

لم تشفع سنوات حسن العشر له كي يعيش طفولة وردية كما تسوقها الإعلانات والروايات، فطفولته مختلفة تمامًا. يروي ما عايشه خلال الحرب: "انتقلت مع أمي وبيت جدي إلى منطقة دوحة الحص (12 كلم جنوبي بيروت)... كانت أصوات القصف قوية جدًا، تصلنا إلى حيث انتقلنا"، قرار عائلة حسن بإخراجه من دار إيواء الأيتام، أتى مع التصعيد الإسرائيلي، ليتزامن مع قرار مراكز الإيواء بإغلاق كافة فروعها تحسبًا لأي استهداف قد يطول المراكز على غرار المجازر التي ارتكبت في غزة وخلال حرب تموز 2006.

في مقابلة مع نائبة منسق مديرية الشؤون الرعائية في جمعية المبرّات الخيرية الإسلامية، السيدة سهير شرارة، أوضحت أن جمعية المبرات كانت على اتصال مباشر مع عائلات الأيتام والمراكز الأخرى، تنفيذًا لخطة الطوارئ التي وضعتها الجمعية مع الأيام الأولى للحرب على لبنان. أضافت أن الجمعية عمدت إلى إخلاء جميع فروعها في جنوب لبنان، مستحدثة مراكز بديلة في مناطق تعد أكثر أمنًا. ولا تطيل شرارة كثيرًا حتى تستذكر لنا ما عايشته: "إصرار لدى الأيتام على النوم في أحضان أمهاتهم، وعلى الفراش نفسه، تخوفًا من استهداف قد يفقدهم مرة جديدة أحد أفراد العائلة".

أما في ما يتعلق بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، أشارت شرارة إلى أن عددًا من مراكز المبرات في جنوب لبنان قد تعرض للقصف وتضرر بفعل الحرب كمركزي بنت جبيل والخيام، مشيرة إلى أن ترميم المراكز المتضررة سيحتاج وقتًا، وبناء عليه، استحدثت الجمعية مركزين في منطقتي النبطية جنوب شرق مدينة صيدا، ومعروب شرق مدينة صور، مع بدء عودة العائلات الجنوبية إلى قراهم واستكمالًا لأعمالها الإغاثية. ولتخفيف معاناة الأطفال، استحدثت الجمعية برامج نفسية عديدة هدفها التفريغ وتقديم الإرشاد النفسي في خطوة للتخفيف من آثار الحرب وما عايشه الأيتام خلالها.

أما تجربة جمعية "الإمداد الخيرية" التي تعنى بكفالة الأيتام وتقديم الخدمات اللازمة لهم كانت فلا تبتعد كثيرًا عن تجربة المبرات. مدير منطقة جبل عامل في الجمعية، السيد حسين حجيج، أوضح أن المؤسسة قد واجهت العديد من المشاكل خلال الحرب، أبرزها صعوبة الوصول إلى الفئة المستهدفة بالشكل المعتاد، خاصة بعد نزوح أهالي الجنوب إلى مختلف المناطق اللبنانية، "عمدت حينها الجمعية إلى تقديم مساعدات مالية عن بعد". وفي هذا الإطار، ومع ارتفاع نسبة الإقبال على خدمات المؤسسة، يشدد حجيج على ضرورة تكثيف جهود الدولة والمؤسسات والجمعيات التي تعنى بالأيتام لاحتضانهم، خاصة بعد ظروف الحرب القاسية التي تسببت في زعزعة استقرارهم الاجتماعي والنفسي.

في هذا السياق يقول الطبيب النفسي حسن ناصر، إن "تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم يجري من خلال تأمين بيئة مساعدة تعزز مفاهيم الثقة لديهم وتجعلهم قادرين على الشعور بالأمان وفق "روتين" محدد يومي، ويمكن تطوير  ذلك من خلال عدم إظهار الخوف أمام الأطفال، بل مشاركتهم بالقرارات، كمثل القول إن العائلة جمعاء قادرة على تخطي المشكلة الأساسية"، في تعزيز لمفهوم الأمن، إلى جانب التركيز على القدرات القوة ومكامنها لدى الطفل وتحفيزها.

يتابع ناصر أنه "من المهم تعزيز آليات تكيف الطفل مع الأحداث الجديدة، كمثل التعامل مع مشاعر الخوف وإلى من يلجأ للحديث عنها، ومع من يمكن أن يشعر بالأمان خلال الأحداث الصعبة، وصولًا إلى نشاطات تعزز لديه هدفه في المستقبل، كوضع خطط لنشاطات صيفية أو الحديث عن قصص كرتونية أو حقيقية لديها تحديات تمكنت تخطيها والوصول إلى هدفها من خلال عرض مبسط للحلول"، وشدد على أن هذا الأمر يمكن أن يُحدث نتائج إيجابية أسرع لدى الأطفال إذا تم التعاون بين الأهل والمدرسة والبيئة المحيطة للطفل.

ستمضي الحرب وستعالج آثارها المادية، ولكنه قد يكون من الأصعب، وغير ظاهر للعيان، الأضرار النفسية التي طالت لبنانيون ولبنانيات كثر، قد يملك الكبار منهم أدوات التعامل مع مع هذه الأضرار النفسية، أما الصغار، خاصة الأيتام منهم، يبقى تجاوزهم لهذا الضرر تحديًا صعبًا يجب أن يكون أولوية. 

تاريخ النشر
كاتب/كاتبة
محمد بزي
موقع
لبنان
Topic
الحرب على لبنان ٢٠٢٤