المصدر: سيري بريز
نُشِرَت النسخة الأصلية من هذه المدوّنة باللغة الإنجليزية في ٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٥
بعد إيقاف جميع العقود والمِنَح الصادرة عن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بشكل مؤقّت في أعقاب استلام دونالد ترامب سدّة الرئاسة، أصدرت الإدارة الأمريكية إشعارات تقضي بإنهاء ٨٣٪ من برامج الوكالات حول العالم في ١٠ آذار/مارس. وفي منشورٍ على منصّة اكس، أشارَ وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو إلى أنَّ وزارة الخارجية ستُدير المِنَح المتبقّية، ممّا يؤدّي فعليًا إلى إبطال عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي أنشأها الكونغرس الأمريكي في عهد الرئيس جون ف. كينيدي في عام ١٩٦١. وقدّمت الإدارة الأمريكية المزيد من المعلومات حول مستقبل المساعدات الخارجية للحكومة الأمريكية، مُشيرةً في بيان إعلامي داخلي في منتصف آذار/مارس إلى أنَّ الوكالة الأمريكية للمساعدات الإنسانية الدولية التي تمّ إنشاؤها مؤخّرًا ستحلّ محلّ الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وستُكلَّف بمهام أكثر محدودية. بالإضافة إلى ذلك، في ٢٨ آذار/مارس، أصدرَ جيريمي لوين، القائم بأعمال نائب المدير والمُعيَّن في وزارة الكفاءة الحكومية، مذكرةً داخلية أَكَّدَ فيها أنَّه في إطار انتقال البرامج المتبقّية لدى الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تحت إشراف وزارة الخارجية، "سيتمّ إلغاء جميع الوظائف غير القانونية في الوكالة". وأشارت المذكرة أيضًا أنَّ الموظّفين سيتلقّون إشعارات بتخفيض عددهم عبر البريد الإلكتروني بين ١ تمّوز/يوليو و٢ أيلول/سبتمبر، ممّا يُنهي ما تبقّى من القوّة العاملة لدى الوكالة التي تعود إلى ستّة عقود.
تأثيرات فورية وطويلة الأمد على المستفيدين/ات
أحدثت التخفيضات الكبيرة في المساعدات صدمةً واسعة النطاق في قطاع التنمية والمساعدات الإنسانية على المستوى الدولي، وترافقت مع تداعياتٍ وخيمة على المستفيدين/ات. وتوقّعت مذكّرةٌ داخليةٌ للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، نُشِرت في آذار/مارس، أن تؤدّي هذه التخفيضات إلى معاناة إنسانية هائلة، ولا سيّما مع تسجيل إصابة ٢٠٠ ألف طفل إضافي بمرض شلل الأطفال، وما يَصِل إلى ١٨ مليون إصابة إضافية بالملاريا، و٣٣ ألف حالة وفاة مرتبطة بالسلّ سنويًا. علاوةً على ذلك، أدّى الانخفاض المفاجئ في المساعدات إلى إحداث تأثير مباشر على بعضٍ من أكثر الفئات هشاشةً في بلدان مثل جنوب السودان، حيث تسبَّبَ توقُّف تمويل "خطّة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز" بوفياتٍ مؤكّدة مرتبطة بالإيدز. وكانت هذه الخطّة قد أُطلِقَت كمبادرة عالمية في عهد الرئيس بوش للحدّ من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية، وأنقذت ما يُقدَّر بنحو ٢٦ مليون شخص حتّى هذا التاريخ. وأدّى توقُّف البرامج العالمية المعنيّة بالصحّة إلى تفشّي فيروس إيبولا في أوغندا، ممّا أسفرَ عن ١٤ حالة وفاة على الأقلّ. وعلى الرغم من أنَّ الإدارة سمحت مؤقّتًا باستئناف برامج "خطّة الرئيس الأمريكي الطارئة للإغاثة من الإيدز"، إلّا أنَّ مستقبلها لا يزال في خطر بسبب شواغل الجمهوريين حيال دعم الشركاء التنفيذيين لحقوق الإجهاض. بالتالي، فإنَّ التأثير الكارثيّ لتوقُّف هذه المبادرات لفترة وجيزة يُظهِر حجم الضرر الذي قد يُسبِّبه تقليص المساعدات الأمريكية الخارجية الإنمائية والإنسانية.
ولا يقتصر التأثير على الدعم خلال الأزمات الممتدّة، بل يشمل عدم الاستجابة الفورية للكوارث، مثل الزلزال الأخير الذي بلغت قوّته ٧.٧ درجات في ميانمار. في ٣٠ آذار/مارس، أعلنت السفارة الأمريكية في ميانمار أنَّ الولايات المتّحدة ستُقدِّم مليونَيْ دولار كمساعدات إنسانية للمنظّمات المحلية، لكنَّ مسؤولًا رفيعًا سابقًا في مكتب المساعدة الإنسانية التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد أشارَ إلى أنَّ قدرة الحكومة على تنفيذ البرامج "تقلّصت بشكلٍ ملحوظ". وتتعارض هذه الالتزامات التمويلية بصورةٍ صارخة مع استجابة إدارة بايدن للزلزال الذي بلغت قوّته ٧.٨ درجات والذي ضربَ تركيا والحدود الشمالية السورية، حيث تمَّ حشد فِرَق الاستجابة للمساعدة في حالات الكوارث التابعة لمكتب المساعدة الإنسانية على وجه السرعة، فضلًا عن توفير ١٨٥ مليون دولار من المساعدات الإنسانية. وبما أنَّ الولايات المتّحدة قدّمت ما يَصِل إلى ٤٧٪ من المساعدات الإنسانية العالمية، فإنَّ التأثير على المجتمعات الهشّة سيتضاعف حتمًا خلال الأشهر والسنوات القادمة.
التأثير على الموظّفين/ات
تسبَّبَ خفض التمويل بفقدان الكثير من الوظائف في صفوف الموظّفين/ات الدوليين/ات والمحلّيين/ات في قطاعَيْ التنمية والعمل الإنساني. انخفضَ عدد موظّفي/ات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من ١٠٠٠٠ إلى حوالي ٦٠٠ موظّف/ة، أي بنسبة ٩٤٪ من إجمالي قوّتها العاملة، بما في ذلك الموظّفون/ات العاملون/ات خارج الولايات المتّحدة الذين اضطرّوا إلى العودة فجأةً إلى بلدانهم/نّ مع عائلاتهم/نّ. في بعض الحالات، تقطّعت السُبُل بالموظّفين/ات في بلدان متضرّرة من النزاعات مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث لم يحصل موظّفو/ات الخدمة الخارجية وعائلاتهم/نّ على أيّ دعم للإجلاء أثناء تعرُّض منازلهم/نّ لهجمات خلال التصعيد الأخير في القتال بين قوّات الأمن الكونغولية ومتمرّدي حركة ٢٣ آذار/مارس.
وكانَ لإلغاء المِنَح وحالة عدم اليقين بشأن البرامج المستقبلية تأثيرٌ سلبيٌّ أيضًا على العاملين/ات لدى الشركاء التنفيذيين، حيث فُقِدَ ما يُقدَّر بـ ٥٠ ألف وظيفة في الولايات المتّحدة و١٧٠ ألف وظيفة دولية، كما أنَّ بعض الشركاء التنفيذيين أغلقوا أبوابهم. ولقد استغنت بعض المؤسّسات الكبرى المتعاقدة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بما فيها مؤسّسة "كيمونيكس" و"بدائل التنمية"، عن مئات الموظّفين/ات، كما استغنت العديد من المنظّمات غير الحكومية الدولية الكبرى في العالم، مثل لجنة الإنقاذ الدولية ومنظّمة إنقاذ الطفولة، عن الآلاف من قواها العاملة حول العالم وأعطتهم/نّ إجازاتٍ مؤقّتة. أدّت هذه الإقالات الجَمَاعية إلى حرمان مئات الآلاف من عمّال الإغاثة حول العالم من المداخيل، فيما تتقلّص احتمالات إيجاد وظائف مستقبلية في قطاع المساعدات الخارجية الآخذ في التدهور بسرعة.
الانخفاض العالمي في المساعدات الإنسانية والإنمائية
خلَّفَ الانخفاض المفاجئ في التدفّقات النقدية للحكومة الأمريكية تأثيرًا ملحوظًا على منظومة العمل الإنساني العالمية، بما في ذلك داخل الأمم المتّحدة. فمنذ تأسيس الأمم المتّحدة عام ١٩٤٥، تُعَدّ الولايات المتّحدة أكبر جهة مانحة في هذه المنظّمة التي تضمّ أطرافًا متعدّدة، حيث ساهمت بأكثر من ٢٥٪ من ميزانيتها الإجمالية، أي ما يُقارِب ١٣ مليار دولار أمريكي في عام ٢٠٢٣. وقد قدّمت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على وجه الخصوص جزءًا كبيرًا من التمويل للعديد من وكالات الأمم المتّحدة الإنسانية، مثل برنامج الأغذية العالمي بنسبة تزيد عن ٥٠٪، والمنظّمة الدولية للهجرة بنسبة ٤٠٪. نتيجةً لذلك، خفَّضَ برنامج الأغذية العالمي الحصص الغذائية المُقدَّمة للّاجئين/ات الروهينغا إلى النصف، بينما استغنت المنظّمة الدولية للهجرة عن نحو ٣٠٠٠ موظّف/ة.
وعمدت الجهات المانحة الأوروبية إلى الإجراءات نفسها فبدأت بخفض الميزانيات المخصّصة للمساعدات من أجل إعطاء الأولوية للمصالح المحلّية وتمويل الدفاع لزيادة دعمها لأوكرانيا. ومن أبرز هذه الأمثلة، خفّضت هولندا ميزانيتها الدولية للتنمية والمساعدات الإنسانية بنسبة ٣٠٪، كما خفّضت فرنسا إنفاقها على المساعدات بنسبة ٣٧٪، وخفّضت المملكة المتّحدة مساعداتها الخارجية بنسبة ٤٠٪ "للنضال من أجل السلام في أوروبا". كذلك، تدرس الحكومة الألمانية خفض ميزانية المساعدات الخارجية ودمج وكالة التنمية الفيدرالية التابعة لها ضمن وزارة الخارجية لمواءمة برامجها التنموية بشكل أفضل مع السياسة الخارجية الأوسع لألمانيا، على غرار القرار الذي اتّخذته إدارة ترامب لوضع المساعدات الخارجية تحت إشراف وزارة الخارجية. فإيقاف عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية يُشكِّلُ سابقةً لخفض المساعدات الخارجية على المستوى العالمي، وقد بدأت تَظهَر تداعيات هذا التقليص.