زياد عبد الصمد/ شبكة المنظّمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND)1
على مدى العقد الماضي، شهدَ التمويل الدولي المخصّص للتنمية تحوّلاتٍ كبيرة. فقد ساهمت المشروطية السياسية، وتغيُّر الأولويات العالمية، وتزايُد الضغوط الداخلية في البلدان المانحة، في تراجُع التمويل الدولي، ولا سيّما التمويل المخصّص للمجتمع المدني والمبادرات الحقوقية. تتناول هذه المقالة تداعيات هذه التحوُّلات على لبنان والمنطقة العربية، مُسلِّطةً الضوء على مخاطر الاعتماد على المساعدات الخارجية، ومُقترِحةً نماذج تمويل مستدام بديلة، تقومُ على أُسُس محلّية مُنسجِمة مع واقع المنطقة. وتدعو المقالة إلى اعتماد رؤية متجدّدة للتنمية ترتكِز على الشفافية والمشاركة والعدالة الاجتماعية، مع حثّ الدول الصناعية على تحمُّل مسؤولياتها التاريخية تجاه بلدان الجنوب العالمي.
نحو نموذج تمويل بديل ومستدام
1. تغيُّر سياسات الجهات المانحة الدولية وتراجُع أولويات التنمية
تُواجِه المجتمعات في جميع أنحاء المنطقة العربية تحدّيات متزايدة في مجال تمويل التنمية، لا سيّما في ظلّ التحوُّلات الأخيرة في سياسات الجهات المانحة. فقد أصبحت المساعدات الدولية تُستَخدَم بشكل متزايد كأداة للضغط السياسي، حيث تُوجَّه وفق المواقف من النزاعات أو قضايا حقوق الإنسان، بدلًا من أن تُوجَّه وفق أولويات التنمية واحتياجات الشعوب. وقد أدّى هذا التحوُّل إلى إضعاف استقلالية الجهات المستفيدة، والحدّ من قدرتها على تصميم البرامج استنادًا إلى الأولويات الوطنية. وفي ظلّ هذا السياق، أصبحت استدامة مشاريع التنمية مشروطةً بالاعتبارات السياسية والاقتصادية الخارجية.
2. تراجُع الالتزام بالشراكة العالمية من أجل التنمية
في السابق، كانت خطط التنمية الدولية قائمة على مفهوم "الشراكة العالمية من أجل التنمية" الذي يُحدِّد مسؤوليات تاريخية واضحة للبلدان الصناعية في دعم الدول النامية والدول الأقلّ نموًّا. وكانَ هذا المبدأ يشمل الالتزام بتخصيص ٠.٧٪ من دخلها القومي الإجمالي كمساعدات إنمائية (المساعدة الإنمائية الرسمية ODA) 2، وإصلاح النظام التجاري الدولي لجعله أكثر عدالةً وإنصافًا، ومعالجة أزمة الديون بطُرُق تُخفِّف العبء عن البلدان المُثقَلة بالديون.
3. المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية (FfD4) وتراجُع الالتزامات الإنمائية
تُشير التطوُّرات الأخيرة إلى أنَّ الدول الصناعية بدأت بالتراجُع عن هذه الالتزامات. فقد أظهرَ المؤتمر الدولي الرابع لتمويل التنمية، الذي عُقِدَ في إشبيلية في إسبانيا في تمّوز/يوليو ٢٠٢٥، تراجُعًا ملحوظًا عن المسؤوليات التاريخية: تلاشت وعود تقديم المساعدات، ولم تُطلَق أيّ مبادرات جدّية لإعادة هيكلة الديون أو إصلاح النظام التجاري الدولي. وأدّى ارتفاع الإنفاق العسكري في ظلّ النزاعات الدولية، واستمرار الأزمات الاقتصادية، وتزايُد عدد اللاجئين/ات والمهاجرين/ات، وارتفاع الطلب على المساعدات الإنسانية، إلى دفع البلدان الغنية نحو تقليص الموارد المخصّصة للتنمية والتعاون الدولي.
4. التحوُّل نحو المساعدات القصيرة الأمد وأجندات الجهات المانحة
رافقَ هذا التحوُّل تغيُّرٌ نوعي في طبيعة التمويل. فقد حلّت المساعدات الإنسانية القصيرة الأمد محلّ برامج التنمية المستدامة، في حين تراجع التمويل المخصّص للمجتمع المدني المستقلّ، ولا سيّما للجهات التي تلعب دورًا رقابيًا أو قائمًا على الحقوق. في المقابل، ازدادَ التركيز على المشاريع التقنية أو التجارية التي تخدم مصالح الجهات المانحة أكثر من تلبية احتياجات المجتمعات المحلّية.
حاليًا، تُوجِّه الولايات المتّحدة وأوروبا، اللّتان كانتا في السابق المُموِّلَتَيْن الرئيسيتَيْن لبرامج التنمية وحقوق الإنسان، معظم مواردهما نحو الداخل أو نحو الأولويات الأمنية والاستراتيجية. كذلك، أصبحت وكالات التنمية والجهات المانحة غير الحكومية خاضعةً تدريجيًا لتأثير الحكومات التي تُموِّلها، ممّا أضعفَ استقلاليّتَها وضَيَّقَ المجال أمام المبادرات التي تقودها المجتمعات المحلّية.
5. الجهات المانحة الناشئة ونموذج ثنائي جديد قائم على البنية التحتية
في الوقت نفسه، برزت دول مانحة جديدة مثل الصين وكوريا الجنوبية وتركيا واليابان، إلّا أنَّ مساهماتها غالبًا ما تكون ثنائية من حكومة إلى أخرى، وتُركِّز بشكل أساسي على البنية التحتية والمصالح التجارية، بدلًا من تعزيز ثقافة مؤسّسية للتعاون الإنمائي، انطلاقًا من مبادئ الشراكة والشفافية.3
أمّا بالنسبة إلى التمويل العربي، فعلى الرغم من قدراته الواعدة، فإنَّه لا يزال بحاجة إلى رؤية تنموية حديثة تقوم على المشاركة الحقيقية، والشفافية، والملكية الوطنية، واحترام حقوق الإنسان، والمبادئ الديمقراطية - بما يضمن إشراك المجتمع المدني كجهة فاعلة رئيسية في تحديد الأولويات وتقييم البرامج.
6. إعادة النظر في النموذج: نحو أنظمة تمويل محلّية وإقليمية
إنَّ تراجُع التمويل الدولي والدعم الخارجي يفرض علينا إعادة النظر بشكل جذري في النموذج الحالي، والانتقال نحو سياسات أكثر اعتمادًا على الذات. ما نحتاج إليه اليوم هو إنشاء أنظمة تمويل محلّية وإقليمية قادرة على ضمان الاستدامة من خلال تنويع مصادر الدخل واستخدام آليات قائمة على التضامن، مثل التمويل المجتمعي، والمساهمات العامّة، والمبادرات المُدِرَّة للدخل. كذلك، يمكن تعزيز الشراكات بين القطاعَيْن العام والخاصّ والمجتمع المدني على أساس الملكية الوطنية والمساءلة المتبادلة، بدلًا من الخضوع لشروط الجهات المانحة الخارجية.
7. تعزيز التنسيق على مستوى المجتمع المدني والأثر الجَمَاعي
في هذا السياق، تتجلّى أهمّية التعاون والتنسيق بين الجهات الفاعلة في المجتمع المدني. فبدلًا من التنافس على الموارد المحدودة، يمكن اعتماد منهجيات تشارُكية لتحديد الأولويات الجَمَاعية، وإنشاء منصّات أو صناديق مشتركة لحشد الموارد، وإدارة المشاريع بشكلٍ تعاوني. ومن المهمّ أيضًا تطوير أدوات لقياس الأثر الجَمَاعي، إذ من شأن ذلك أن يُعزِّز الشفافية ويبني الثقة بين الجهات المانحة والمجتمعات المحلّية.
8. تحدّيات الحوكمة في التمويل المحلّي والإقليمي
تُعتبَر الدعوة إلى حشد التمويل المحلّي والإقليمي خطوةً أساسية لتقليل الاعتماد على الجهات المانحة الدولية، لكنَّها لا تخلو من التحدّيات. فالكثير من البلدان العربية تُواجِه قيودًا على مستوى القدرات الحكومية، ونقصًا في الشفافية، وضعفًا في الكفاءة البيروقراطية، إلى جانب انعدام الثقة بالمؤسّسات على نطاقٍ واسع. وقد يؤدّي إنشاء آليات تمويل محلّية من دون معالجة هذه الفجوات في الحوكمة إلى إعادة إنتاج أوجه عدم المساواة، أو سوء الإدارة، أو استحواذ النُخَب على الموارد. بالتالي، من الضروري أن يُشارِك المجتمع المحلّي إلى جانب المؤسّسات الحكومية. ويجب على هيئات المجتمع المدني والمجتمعات المحلّية أن تُشارِك بفعّالية في التخطيط للموارد ورصدها وتخصيصها، بما يضمن أن تكون أنظمة التمويل شفّافة وخاضعة للمساءلة وقادرة على تلبية الاحتياجات الاجتماعية الفعلية. ويمكن لهذا النموذج التعاوني أن يُساهِم في إعادة بناء الثقة في المؤسّسات العامّة وتعزيز شرعية مبادرات التنمية.
9. الوعود والقيود المرتبطة بالتمويل الإقليمي
قد يُشكِّل التمويل الإقليمي أيضًا بديلًا مهمًّا عن الاعتماد على الجهات المانحة الدولية، إذ يُتيح للبلدان العربية التعاون والاستثمار في أولويات مشتركة ضمن المنطقة. ومع ذلك، لا يُعالِج هذا النهج مشكلة التبعية بشكلٍ كامل، وذلك لأنَّ كلّ بلد له مصالحه الخاصّة عند تخصيص الموارد، وهي مصالح قد لا تتوافق دائمًا مع احتياجات المجتمعات المحلّية.
10. استعادة دور المشاركة الشعبية في تحديد أولويات التنمية
من المهمّ أيضًا إعادة تفعيل دور المشاركة الشعبية في تحديد الأولويات. فلا ينبغي للمجتمعات المحلّية أن تكتفي بتلقّي المساعدات؛ بل يجب أن تكون شريكًا فاعلًا في تمويل المشاريع ورصدها. ويمكن ربط العمل التطوّعي بمبادرات التنمية، ليصبح بذلك مُحرِّكًا فعليًا للإنتاج المحلّي وبناء القدرات.
11. بناء الأُسُس المؤسّسية لنموذج بديل
إنَّ الانتقال نحو نموذج تمويل بديل يتطلّب وجود إطار مؤسّسي مَرِن وفعّال، يقوم على رؤية واضحة وأهداف محدّدة: تنويع مصادر التمويل، وتعزيز الشراكات، وإشراك المجتمعات المحلّية، وبناء القدرات. ولا تقتصر التحدّيات على تأمين الموارد المالية فحسب، بل تمتدّ أيضًا إلى ترسيخ ثقافة جديدة تَعتبِر التنمية عمليةً جَمَاعية وتشارُكية - وليس مجرّد مشروع مُموَّل من الخارج.
نحو شراكات عالمية عادلة واستراتيجية
في ظلّ الواقع الدولي الراهن، تزداد الحاجة إلى إطلاق حملات عالمية تُطالِب بحقوق البلدان النامية، استنادًا إلى المسؤوليات التاريخية للدول الصناعية - منذ الحقبة الاستعمارية وحتّى يومِنا هذا. فقد راكمت هذه البلدان ثرواتها على حساب الموارد البشرية والطبيعية لدول الجنوب العالمي، وهي الآن مُلزَمة أخلاقيًا وسياسيًا بردّ جزء من هذا الدَّيْن التاريخي من خلال التزامات عادلة ومنصفة.
وفي الوقت نفسه، يجب على البلدان النامية - ولا سيّما البلدان العربية - أن تبدأ بوضع أُسُس الاعتماد على الذات ضمن أُطُر تُعزِّز التعاون والتكامل الإقليمي، وتفتح آفاقًا أوسع للتجارة والاستثمار داخل المنطقة. فلا يمكن تحقيق التنمية المستقلّة إلّا من خلال شراكات عادلة تقوم على التضامن بدلًا من التبعية، وعلى مصالح مشتركة بدلًا من المصالح المفروضة.
الطريق إلى الأمام
التحديات كثيرة، لكنَّ الفُرَص لا تزال قائمة. ومن خلال تعزيز التنسيق الاستراتيجي والتعاون الإقليمي، يمكن للمنطقة العربية تحويل الأزمات إلى فُرَص لبناء نموذج إنمائي جديد، أكثر عدلًا واستدامةً — نموذجٌ يحمي حقوق الإنسان، ويضمن العدالة الاجتماعية، ويُحافِظ على كرامة جميع الشعوب. إنَّ مستقبل التنمية لا يكمُن في الأعمال الخيرية أو المساعدات المشروطة، بل في المسؤولية المشتركة، والعمل الجَمَاعي، وإعادة التأكيد على التضامن الإنساني كأساس حقيقي للتقدُّم.
1 يتقدّم المؤلّف بالشكر إلى ليا إبراهيم، مسؤولة المشاريع والباحثة المُساعِدة في شبكة المنظّمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND).
2 لقد كانت المساعدة الإنمائية الرسمية (ODA) المصدر الرئيسي لتمويل المساعدات الإنمائية منذ اعتمادها عام ١٩٦٩ من قِبَل لجنة المساعدة الإنمائية (DAC) التابعة لمنظّمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي (OECD)، باعتبارها "المعيار الذهبي" للمساعدات الخارجية.
3 تعتمد الجهات المانحة الناشئة، مثل الصين وكوريا الجنوبية وتركيا واليابان، بشكل متزايد على الترتيبات الثنائية بين الحكومات التي تُعطي الأولوية لمشاريع البنية التحتية الكبيرة والعوائد التجارية على حساب بناء ثقافات مؤسّسية تقوم على الشراكة والشفافية. وتُجسِّد مبادرة الحزام والطريق الصينية هذا النهج من خلال مشاريع السكك الحديدية والطرق السريعة والموانئ المُموَّلة بالقروض، والتي تُنفِّذها شركات صينية مملوكة للدولة، كما هو الحال في مشروع سكّة الحديد القياسية في كينيا ومشروع "الطريق السيّار شرق–غرب" في الجزائر. وتتّبع كوريا الجنوبية نموذجًا مشابهًا من خلال صندوق التعاون للتنمية الاقتصادية الذي يدعم أنظمة المُدُن الذكية والبنية التحتية المائية في بلدان مثل الأردن ومصر، وغالبًا عبر مشاريع تُنفِّذها شركات هندسية كورية. ويُركِّز التعاون التركي، الذي يتمّ توجيهه عادةً عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية (TIKA)، على مشاريع البناء والترميم التي تخضع للتفاوض المباشر - بدءًا من المطارات في العراق والصومال وصولًا إلى مشاريع إعادة ترميم المستشفيات في لبنان، وتُنفَّذ هذه المشاريع بواسطة مقاولين أتراك. أمّا اليابان، رغم كونها جهة مانحة أقدم، غالبًا ما تربط قروض المساعدة الإنمائية الرسمية بمشاريع بنية تحتية كبرى تقودها اتّحادات يابانية، مثل المتحف المصري الكبير في مصر ومبادرات تحلية المياه في الأردن. وتُبرِز هذه الأمثلة معًا نمطًا من التعاون الإنمائي الثنائي المُوجَّه تجاريًا، الذي يُعطي الأولوية للمصالح الاستراتيجية وتنفيذ مشاريع البنية التحتية على حساب اعتماد أساليب شاملة وتشارُكية وشفّافة.