يدعم "مركز الوصول لحقوق الإنسان" (ACHR) ورقة موقف مكتب "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" الصادرة في كانون الأول/ ديسمبر 2024 حول "العودة إلى الجمهورية العربية السورية" لكنه يثير مخاوفًا بشأن عدم قدرة المفوّضية على الالتزام باستمرار بالتفويضات الإنسانية والحماية في سوريا ولبنان. في هذه اللحظة المحورية، التي اتسمت بتغييرات كبيرة للتغيير السياسي الحقيقي في سوريا، يجب على المفوضية إعادة تقييم سياساتها واستراتيجياتها لتقديم المساعدات بشكل أفضل بما يتماشى مع المبادئ الإنسانية، بعيدًا عن النفوذ السياسي.
لقد أدى موقف المفوضية ودورها السابق في لبنان إلى تفاقم المخاوف المتعلقة بالحماية التي تؤثر على اللاجئين السوريين.
في لبنان، منذ عام 2015، علقت المفوضية تسجيل اللاجئين السوريين الوافدين حديثًا تحت ضغط كبير من حكومة لبنان. ما أدّى منذ ذلك الحين إلى تأثيرٍ كبيرٍ وبعيد المدى على اللاجئين السوريين ووضعهم كلاجئين، وترك العديد منهم غير مسجلين، وبالتالي غير قادرين على الوصول إلى حقوقهم المعترف بها دوليًا والتي توفرها لهم وضعية اللاجئ. ولأن لبنان ليس من الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولأن الحماية القانونية للاجئين غير مضمونة في القوانين الوطنية، فإن اللاجئين يعتمدون في المقام الأول على جهود المنظمات الدولية، وخاصة مفوضية اللاجئين. وقد أدى عدم القدرة على الوصول إلى هذا الوضع إلى زيادة نقاط ضعف الحماية لدى السوريين، وتقييد الوصول إلى الوثائق والخدمات الأساسية، وتقويض قدرة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على رصد مخاوف الحماية - وخاصة خلال الهجمات الإسرائيلية الواسعة النطاق الأخيرة على لبنان - وخلق فجوات ثقةٍ كبيرةٍ بين السوريين والوكالة.
لطالما تحدّث السوريون عن التحدّيات التي تواجههم مع مفوضية اللاجئين في لبنان، بما في ذلك عدم استجابتها للخطوط الساخنة والمخاوف الأمنية بشأن تبادل البيانات مع الحكومة اللبنانية. وقد أدت هذه الإحباطات والمخاوف القائمة مسبقًا إلى جعل اللاجئين السوريين أقل ميلاً إلى استخدام قنوات الاتصال المتاحة والاعتماد عليها للإبلاغ عن مخاوف الحماية، مما قد يؤدي على الأرجح إلى تفاقم فجوات البيانات الحالية لدى المفوضية.
لقد أدى موقف المفوضية السابق في سوريا إلى تقويض تفويض الحماية الخاص بها.
في سوريا، ساهم موقف المفوضية في تعزيز الروايات السياسية التي قوضت حقائق الحماية التي يواجهها السوريون. استغل النظام السوري السابق التطورات السياسية الإقليمية لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية ودعائية متميزة من خلال تصوير نفسه كجهة فاعلة موثوقة، وراغبة في التعاون مع المنظمات الدولية وتلبية احتياجات المدنيين، وخاصة أولئك العائدين إلى سوريا. وبينما استمر النظام السابق في كونه المصدر الأساسي للتهديدات الأمنية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فقد أشار في الوقت نفسه إلى أن المناطق الخاضعة لسيطرته "آمنة" ومستعدة لاستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين من البلدان المجاورة وأوروبا. وكان أحد الإجراءات السلبية التي اتخذتها المفوضية، اجتماعات المفوض السامي فيليبو غراندي مع بشار الأسد، للمرّة الأولى في آذار/ مارس 2023، بعد شهر واحد من زلزال تركيا وسوريا ومرة أخرى بعد عمليات الإعادة الجماعية خلال الهجمات الإسرائيلية على لبنان في أكتوبر 2024. وقد ساهمت هذه المشاركات بإضفاء الشرعية على نظام متهم على نطاق واسع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما يتماشى مع جهود الدعاية للنظام. وقد أدت مثل هذه الإجراءات إلى تقويض ثقة اللاجئين في المفوضية باعتبارها جهة فاعلة إنسانية محايدة ومبدئية. وقد ساهمت تعليقات المفوضية خلال اجتماع مع سياسيين لبنانيين في تعزيز هذه الأهداف السياسية من خلال التقليل من أهمية الجهة الفاعلة الأساسية المسؤولة عن المخاطر الأمنية والتصريح بأن هناك تحولاً ملحوظاً في السلوك من جانب نظام الأسد السابق تجاه العائدين.
على سبيل المثال، في أحد البيانات، قال مساعدة المفوض السامي لشؤون الحماية، روفيندريني مينيكديويلا، "كما في الماضي، تقف المفوضية على أهبة الاستعداد لدعم اللاجئين الذين يختارون العودة طواعية إلى سوريا، حتى تكون عودتهم آمنة وكريمة ومستدامة".2 وفي بيان آخر، قال نفس المسؤولة في المفوضية: "لقد لاحظت المفوضية تغييراً إيجابياً في الطريقة التي تتعامل بها الحكومة السورية مع قضية النازحين، وهناك زخم يمكن البناء عليه للعمل على قضية التعافي المبكر لتسهيل عودة النازحين".
مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وسياسات السلامة: "قسرية" أم "طوعية"؟
إن هذه التصريحات وغيرها من التصريحات المماثلة التي تفترض أن سلامة "العائدين" حقيقة ثابتة، تتناقض بشكل مباشر مع استنتاجات مفوضية اللاجئين والعديد من التقارير والتحليلات التي أجرتها هيئات الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، التي استمرت في إثارة المخاوف الأمنية وتوثيق الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري السابق. وشمل ذلك انتهاكات جسيمة، مثل التعذيب والاخفاء القسري والتجنيد الإجباري. وعلاوة على ذلك، كان هناك مثال آخر على الموقف السياسي لمفوضية اللاجئين وهو التنسيق الوثيق مع "الهلال الأحمر العربي السوري"، وهي المنظمة التي ذكرت "هيومن رايتس ووتش" أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالنظام السوري السابق وحافظت على علاقات مع "الحكومة أو المسؤولين الحكوميين المعتمدين وفي حالات أخرى مع الوحدات العسكرية المسؤولة عن جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان". وقد قوضت هذه الشراكة، وخاصة أثناء فترة النزوح من لبنان أثناء القصف الإسرائيلي واسع النطاق، من مصداقية تقارير الحماية وأثارت مخاوف إضافية بشأن حماية السوريين.
إن تبني المفوضية لمصطلحي "العودة القسرية" أو "العودة الطوعية" أساء فهم الظروف التي دفعت السوريين إلى العودة إلى سوريا. وتماشيًا مع اتفاقية اللاجئين والقانون الدولي والمبادئ المعترف بها التي تتبناها، يجب أن تكون عودة اللاجئين آمنة وكريمة وطوعية بطبيعتها.
تُعرَّف "العودة الطوعية" بأنها "العودة بمساعدة أو بشكل مستقل إلى بلد المنشأ أو العبور أو بلد آخر بناءً على القرار الطوعي للعائد" في حين أن "العودة القسرية" تنطوي على "القوة أو الإكراه".5 وفي ظل الظروف العنيفة للقصف الإسرائيلي واسع النطاق، الذي أدى إلى نزوح جماعي للمدنيين في لبنان، مما دفع مئات الآلاف منهم إلى الفرار إلى سوريا، كان افتراض "طوعية" الفارين إلى سوريا موضع شك كبير. وعلاوة على ذلك، حدث هذا بالتزامن مع سياسة منهجية للترحيل القسري، واستخدام أدوات مختلفة للإكراه من قبل الحكومة اللبنانية للضغط على اللاجئين السوريين للعودة إلى سوريا بما في ذلك تبني سياسات تمييزية مثل منع اللاجئين السوريين من الوصول إلى مراكز استقبال النازحين.
من السابق لأوانه التوصل إلى استنتاجات حول السلامة الحقيقية والدائمة في سوريا.
في هذا السياق الحالي، ومع التغيرات السياسية في سوريا، وخاصة سقوط نظام الأسد، يمكن تصنيف العودة والظروف المحيطة بها على أنها "طوعية". ومع ذلك، لا تزال العودة تتشكل من خلال عوامل الدفع التي تفرضها سياسات البلدان. على سبيل المثال، تواصل الحكومة اللبنانية وسلطاتها الأمنية المختلفة تبني لغة وسياسات معادية للاجئين، وتستمر في دفع اللاجئين السوريين والضغط عليهم للعودة إلى سوريا. وبدون فهم عميق وشامل للعديد من عوامل الدفع المعقدة التي تشكل عملية صنع القرار للعودة إلى سوريا، وبدون تقييم شامل للمخاوف الأمنية الحالية والتحديات الأخرى داخل سوريا، فإن التوصل إلى استنتاجات حول سلامة العودة إلى سوريا سيكون سابقًا لأوانه. وتستمر العوامل الأخرى غير قضايا الأمن في النظام السوري السابق، في تقويض سلامة العائدين، وتشكل تحديات أمامهم للوصول إلى مكان إقامتهم الأصلي. وبناءً على ذلك، ونظراً لاحتمال ظهور مخاوف جديدة تتعلق بالأمن والحماية، فينبغي مراقبة الوضع عن كثب وأخذه في الاعتبار في مثل هذه التقييمات للسلامة.
إن تحول الكبير في سياسة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سيشير إلى قطيعة مع السياسات السابقة ويسعى لإعادة بناء الثقة في سوريا.
وفي حين أن ورقة الموقف الجديدة التي شاركتها المفوضية، تتضمن بعض النقاط الواعدة، ينبغي على المفوضية النظر في تغييرات سياسية جوهرية تؤكد نهجها المبدئي في كل من لبنان وسوريا. ويتعين على المفوضية العمل نحو إنشاء نظام شامل لمراقبة الحماية يغطي كلًا من لبنان وسوريا لتقييم انتهاكات الحماية المرتكبة من قبل جميع أطراف النزاع بشكل موثوق ومستقل وشامل. ويجب أن يشمل هذا النظام قنوات آمنة تتيح للعائدين الإبلاغ عن الانتهاكات بشكل مجهول، بالإضافة إلى أنظمة إحالة وآليات متابعة أخرى في كل من لبنان وسوريا. فقط من خلال مثل هذا النظام لمراقبة الحماية يمكن سد الفجوات الحالية في البيانات وفهم التحديات والمخاوف المتعلقة بالحماية وتقديم الخدمات بشكل مناسب.
سيبقى السوريون يتذكرون ما يُقال عن مواقف مفوضية اللاجئين المُسيَّسة في كل من لبنان وسوريا، وستستمر فجوات الثقة، إذا لم تحدث تغييرات جوهرية ولم يتم الإشارة بوضوح إلى هذه التغييرات لإعادة بناء الثقة.
ولإعادة ضبط علاقتها مع الشعب السوري، يجب على المفوضية أن تؤكد من جديد دورها المستمر في سوريا والتزامها باحتياجات الشعب السوري، وأن تطلق مراجعة داخلية لمواقفها السياسية السابقة في سوريا مع النظام السوري السابق وتأثيرها على الوفاء بولايتها المتعلقة بالحماية. كما ينبغي عليها السعي لتعديل سياساتها لتعزيز ولايتها في مجال الحماية.
يجب أن يتزامن ذلك مع تعزيز الجهود الإعلامية من خلال بيانات علنية واضحة تحدد موقفًا صريحًا بشأن العودة الكريمة والآمنة والطوعية، والشروط التي يجب أن تتحقق لضمان ذلك. ينبغي أن تستند أي إعادة تقييم من قبل مفوضية اللاجئين للوضع الحالي إلى معايير محددة وواضحة، تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المحتملة في البلاد بشكل عام. وبالتالي، يجب على المفوضية مقاومة أي محاولات لتصوير أجزاء أو مناطق محددة من البلاد، بشكل عشوائي، على أنها كريمة وطوعية للعودة.
يجب على مفوضية اللاجئين والهيئات الأممية الأخرى العاملة داخل سوريا، أن تقيم شراكات مع شركاء موثوقين ومستقلين ومحايدين، يمكنهم دعم المفوضية في تنفيذ كامل ولايتها، بما في ذلك مراقبة وتقديم المساعدة للمخاوف الجديدة المتعلقة بالحماية التي قد تنشأ. كانت الوكالات الأممية، بما فيها المفوضية، مكلفة في السابق بالعمل مع الهلال الأحمر العربي السوري (SARC) وجهات محلية أخرى، لتنفيذ المشاريع وتقديم المساعدات، ولكن الفساد كان مستشريًا، حيث أظهرت الأبحاث أن الأمم المتحدة استخدمت شركات أمنية خاصة لديها "روابط قوية مع المخابرات أو عائلة الأسد، ويخضع العديد من مالكيها لعقوبات".
بقبولها لهذه المطالب، تكون الأمم المتحدة قد أعطت الأولوية لوصولها على حساب ولايتها الأساسية المتمثلة في توفير الحماية. في ضوء التطورات الكبيرة في سوريا، يجب على المفوضية مراجعة شركائها والتعاون مع منظمات متخصصة في حقوق الإنسان والمساءلة والعدالة، لإرساء استجابات محلية حقيقية ضمن برامجها، وذلك جنبًا إلى جنب وبشراكة متساوية مع تلك المنظمات.
يجب على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تبني موقف مبدئي ومحايد في لبنان. وفي هذا السياق، ينبغي عليها الدعوة إلى رفع القيود المفروضة على إعادة دخول السوريين إلى لبنان، وحث جميع الدول على السماح للمدنيين الفارين من سوريا بالدخول إلى أراضيها، وضمان حقهم في طلب اللجوء.
كما يجب على المفوضية أن تستمر في التأكيد على ضرورة احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وأن يتم التنديد علنًا بأي محاولات لإعادة السوريين قسرًا إلى سوريا في هذا الوقت المبكر، سواء كان ذلك في لبنان أو أي مكان آخر.
علاوة على ذلك، ينبغي على المفوضية أن تعلن معارضتها العلنية للقرارات السلبية الحالية الصادرة بحق المتقدمين السوريين للحصول على الحماية الدولية، والعمل على التصدي لها بشكل واضح وفعال.
نظرًا للتغيرات الكبيرة وفرصة تحقيق تغيير سياسي حقيقي في سوريا، يجب على المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن تؤكد مجددًا دورها في سوريا ولبنان بما يتماشى مع المبادئ الإنسانية. وينبغي أن تسعى إلى دعم ولاية حماية أوسع تعزز في نهاية المطاف عملها وتبني الثقة بينها وبين السوريين.
مركز وصول لحقوق الانسان (ACHR)