تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

انكماش المجتمع المدني في لبنان: تراجع التمويل يعيد رسم دور الجمعيات

المصدر: Kaboompics/ Pexels

يشهد المجتمع المدني في لبنان مرحلة انكماش غير مسبوقة، مع تراجع ملحوظ في إنشاء الجمعيات الأهلية نتيجة تخفيض التمويل الخارجي وتراكم الأزمات الاقتصادية. فوفقًا لرئيس الشبكة الدولية للمعلومات محمد شمس الدين، شهدت الأشهر الـ11 الماضية تراجعًا ملحوظًا في إنشاء الجمعيات الأهلية في لبنان، إذ وصل عددها إلى 118 جمعية، مقارنًة بـ 238 جمعية في العام الماضي. وأعادت المؤسسة هذا التراجع إلى التخمة في عمل الجمعيات في لبنان، الذي تجاوز عدد جمعياته 12 ألف جمعية على مدى السنوات الماضية، وهو رقم يُعدّ كبيرًا بالنسبة إلى بلد بحجم لبنان. أمّا السبب الثاني فيعود إلى تخفيض الجهات الدولية المانحة وتقليص مساعداتها للجمعيات، كوكالة التنمية الأميركية، والاتحاد الأوروبي، والعديد من السفارات الغربية، بحيث لم يعد هناك مبرّر لإنشاء جمعيات جديدة.

إذ تلقى المجتمع المدني صفعة كبيرة، غير أنّ هذه الصدمة، قد تشكّل في الوقت نفسه فرصة لإعادة تصويب المسار نحو مشهد أهلي أكثر مهنية وواقعية، عبر الخروج من منطق الارتهان للتمويل المشروط، والبحث عن بدائل أكثر استقلالية، سواء من خلال التمويل المحلي، أو الشراكات المجتمعية، أو نماذج الاستدامة الذاتية، إضافة إلى الاندماج والتخصّص في قطاعات ذات أثر مباشر. وبات التحدّي الأساسي أمام الجمعيات لا يكمن في تنفيذ المشاريع بحدّ ذاته، بل في قدرتها على إعادة تعريف دورها كفاعل محلي مستقل يخدم المجتمع اللبناني أولًا.

يتحدث المدير التنفيذي لمنظمة "سمكس" محمد نجم، لـ"دليل مدني"، عن تجربة العام الماضي للمنظمة وأثر تخفيض التمويل على عملها، والبدائل التمويلية التي جرى اعتمادها، قائلًا: "أعتقد أنّ الموضوع قيد التجارب، ويجب أن نفكّر جميعًا ببدائل خلاّقة، وجميعها تصبّ في تخفيف الاعتماد على التمويل الأجنبي، مثل التمويل الفردي أو من العرب المغتربين".

وفي سؤال حول ما إذا كان التمويل المحلي خيارًا فعليًا أم خيارًا محدود التأثير، يلفت نجم "إلى أنّ منظمات المجتمع المدني في معظم الدول الأوروبية تحصل على تمويل من حكوماتها أو من برامج داعمة، لكن هذا الأمر غير متاح في لبنان، بسبب الوضع الاقتصادي السيئ وعدم وجود طبقة وسطى فعلية، ما يجعل هذا الخيار محدودًا".

أثّر تراجع التمويل المشروط على استقلالية بعض منظمات المجتمع المدني، وكان تحدّي العام يتمثّل في خلق تجارب مستدامة عبر البحث عن تمويل غير مشروط يضمن استمرارية عمل المنظمات. وفي هذا السياق، يشير نجم إلى أنّ "سمكس كمبدأ لا تقبل تمويلًا مشروطًا من أي جهة". مضيفًا، "أصاب تراجع التمويل جميع المنظمات، ومنها منظمتنا، وما زلنا نبحث عن مصادر تمويل لدعم ما نقوم به".

وأعادت غالبية المنظمات التي لم تُغلق أبوابها النظر في أولويات برامجها وطرق تنفيذها، حيث جرى تخفيف المصاريف اللوجستية، ومنها حجم المكتب وتكاليفه، كما هو الحال في منظمة "سمكس".

كما غيّرت هذه الأزمة علاقة المنظمات غير الحكومية بالمجتمع المحلي. ويشير نجم إلى عمل الجمعيات بشكل عام، قائلًا: "أعتقد أنّ على كل جمعية أن تقوم بواجبها تجاه المجتمع، وأن تقدّم شيئًا ذا قيمة لتبقى على ارتباط مع حاجات الناس. فبقاء أي مؤسسة لا يجب أن يكون هدفًا بحدّ ذاته، بل إن سبب وجودها يجب أن يكون متماشيًا مع حاجة المجتمع لها، لا أن تكون موجودة فقط بسبب تمويل خارجي".

ورغم غياب أرقام رسمية دقيقة، تشير تقديرات بحثية إلى أنّ المجتمع المدني في لبنان استوعب خلال ذروة العمل الإغاثي بين عامي 2012 و2017 عشرات الآلاف من العاملين. إلا أنّ تقلّص التمويل منذ عام 2018 أدّى إلى تراجع حادّ في هذا القطاع، حيث دخلت نسبة كبيرة من الجمعيات في حالة جمود أو توقّفت كليًا، واضطرت أخرى إلى تسريح موظفيها أو الاندماج مع جمعيات مماثلة، ما أعاد تعريف دورها كمجتمع مدني مستقل، لا سيّما الجمعيات التي يُعدّ عملها حاجة أساسية في المجتمع.

منظمة "سمكس" على سبيل المثال، التي تُعدّ الجمعية الأولى في لبنان المعنية بالحقوق الرقمية. يوضح نجم، "نحن جمعية مستقلة قبل الأزمة وخلالها وبعدها، ونحاول أن نساهم في دورنا ضمن الحقوق الرقمية فقط وما يدور في هذا الفلك المتشابك والمتشعّب. لكن الأزمة لم تُعد فقط تعريفنا، بل مكّنتنا من إبراز دورنا كمنظمة مستقلة".

ويُعدّ هذا العام، بعد خفض التمويل، درسًا للعديد من منظمات المجتمع المدني، وقد يحمل بعض الإيجابيات. يقول نجم: "أعتقد أنّ خفض التمويل هو نمط جديد يجب على الجميع أن يعتاد عليه، وهناك جانب إيجابي في ذلك، إذ سيفرض التعاون بين الجمعيات التي ستبقى ناشطة، ويستدعي التفكير بطرق خلاّقة لإيجاد حلول لمشاكل المجتمع".

في هذا السياق أيضًا، لجأت بعض الجمعيات العاملة في قطاعات متقاربة، ولا سيّما الجمعيات النسوية، إلى تحويل علاقاتها البينية من العمل المنفرد إلى شراكات استراتيجية أو شبكات مشتركة، فيما يمكن وصفه بأحد أشكال "الاندماج العملي" في النشاط والموارد. وقد تجلّى ذلك في تنظيم حملات مناصرة وإعلام مشتركة تتعلّق بحقوق المرأة، من بينها، في الآونة الأخيرة، حملة إعلامية مشتركة تناولت قضية العنف الرقمي ضدّ النساء.

من جهته، يشير المدير التنفيذي للمركز اللبناني لحقوق الإنسان (CLDH) فضل فقيه في حديثه لـ"دليل مدني"،  إلى أنّ البدائل التمويلية التي جرى اعتمادها تمثّلت في تعزيز التعاون مع المؤسسات الخاصة. وفي ما يخصّ التمويل المحلي كخيار محدود التأثير، يوضح فقيه، "أنّه يغطي نحو 20 في المئة فقط من حجم التمويل السابق الذي كانت المنظمة تعتمد عليه". مضيفًا، "لم تتأثّر المنظمة من حيث الاستقلالية، إذ لم تكن لدينا برامج مفروضة من المموّلين، وكان التمويل غير مشروط، ونسعى إلى استمراره".

ومن الإجراءات التي اعتمدها المركز اللبناني لحقوق الإنسان إعادة النظر في عدد المستفيدين الذين يمكن الوصول إليهم وتقديم الخدمات لهم. ويشير فقيه، "إلى أنّ العديد من المموّلين كانوا، على مدى سنوات، يهتمّون بالصورة أكثر من الفعل". لافتًا، "إلى أنّ التحديات المستجدةكان له أثر إيجابي على صعيد المنظمات المحلية، إذ ازداد الدعم الموجّه لها، فيما طال الضرر الفعلي المنظمات الدولية، التي اضطرت إلى تخفيض عددها وتسريح موظفين وخفض كلفتها التشغيلية". وعلى صعيد المركز، يوضح فقيه أنّه "لا يوجد حتى الآن أي تعاون فعلي مع مؤسسات خاصة"، مشيرًا إلى أنّ هذا الخيار أُدرج ضمن الاستراتيجية الخمسية المقبلة، في إطار البحث عن مصادر تمويل أكثر استدامة.

ورغم خفض التمويل، تمكن المركز من تحقيق أثر ملموس، إذ استطاع مساعدة نحو 2400 حالة من خلال مركز التأهيل "نسيم"،  التابع له، والذي يقدّم خدمات شبه شاملة تشمل الدعم النفسي، والرعاية الطبية، والمتابعة المتخصصة عبر أخصائيين نفسيين وأطباء. كما نظّم المركز عددًا من التدريبات بالتعاون مع منظمات محلية ومؤسسات رسمية، في إطار تعزيز القدرات وبناء الشراكات المحلية.

ويختم فقيه بالإشارة إلى أنّ خفض التمويل شجّع الناس على العودة إلى العمل النشط، موضحًا، "العمل المالي على مدى سنوات أضعف دور النشطاء، وحوّل العلاقة مع الرسالة إلى علاقة مادية، بعيداً عن الأثر الفعلي الذي يفترض أن تُحدثه الجمعيات. والدليل، بحسب قوله، هو صمود الجمعيات التي تقدّم خدمات فعلية، في مقابل جمعيات كانت تتمتّع بميزانيات كبيرة، لا سيّما خلال فترة النزوح السوري، ثم اندثرت مع الأزمة الحالية".

يواجه المجتمع المدني في لبنان اختبارًا حاسمًا، لم يعد فيه البقاء مرتبطًا بحجم التمويل، بل بمدى الارتباط بحاجات المجتمع والقدرة على التكيّف والاستدامة. ومع تراجع الدعم الخارجي، يبرز مسار قائم على التخصص والتعاون والاستقلالية، ربما لن تصمد فيه سوى الجمعيات القادرة على تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف دورها الاجتماعي.

مصدر شمس الدين: 

https://www.facebook.com/reel/1353771885972613

تاريخ النشر
كاتب/كاتبة
Safaa Ayyad
موقع
Lebanon