Skip to main content

المنظمات غير الحكومية في سوريا… سؤال الدور والتمويل

الصورة ل احمد عكاشة/ pexels

منذ سنوات، وقبل سقوط نظام الأسد، توسع دور المنظمات غير الحكومية في مناطق سيطرة النظام لسد فجوات بات النظام عاجزًا عن معالجتها، ولاستجلاب التمويل، وربما للتنفيس عن الحاجة لدى المواطنين والمواطنات للانخراط في الشأن العام. بقيت هذه المنظمات محكومة بقيود شديدة، أمنية وأخرى متعلقة بالسيطرة المتشعبة للأمانة السورية للتنمية التي كانت ذراعًا مباشرًا لأسماء الأسد زوجة الرئيس المخلوع.

في المقابل كانت منظمات المجتمع المدني المعارضة ناشطة قبل ذلك، بعيد انطلاق الثورة في آذار/مارس 2011، في الداخل السوري ثم أيضًا انطلاقًا من مكاتب في الدول المجاورة، خاصة لبنان وتركيا، مع اللاجئين في دول اللجوء، وفي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، متمتعة بحرية حركة أكبر مقارنة بتلك التي في مناطق النظام لأسباب تتعلق بسياسات الدول المجاورة والدعم الغربي وضعف الحوكمة.

بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024، كان لافتًا إعلان شروط ترخيص المنظمات غير الحكومية المحلية والأجنبية قبل أقل من شهر من هذا السقوط، وقبل قرارات أخرى قد تكون أشد إلحاحًا. يمكن الاستنتاج من ذلك أن السلطة الجديدة ترغب في ضبط هذا القطاع، وتدرك أهميته في التعامل مع القطاعات الحيوية المنهارة كتلك الإغاثية والطبية والتعليمية، التي تحتاج السلطة إلى مهلة قد تطول قبل أن تتمكن من التعامل معها كما يجب.

علاوة على ذلك، توفر المنظمات فرص عمل تحتاجها القوى العاملة في سوريا بشدة، بالإضافة طبعًا إلى استجلاب الأموال التي هناك حاجة ماسة لها في سوريا. من الجدير ذكره في هذا السياق أن فرض ترخيص مسبق لعمل المنظمات والجمعيات هو أداة مقيدة للحريات والعمل العام، يتعارض مع حرية الاجتماع والتعبير.

      تتضمن شروط الترخيص بعض البنود المتوقعة كمحضر انتخاب مجلس إدارة وسند تأسيس والنظام الداخلي ووثيقة سجل عدلي… لكن الترخيص المؤقت يبقى مشروطًا بموافقة السلطات لجهة توفر "الرأي الصريح بالحاجة إلى خدماتها"، في حين يشترط الترخيص الدائم تقييم عمل المنظمة لمدة ستة أشهر. تفتح هذه الشروط الباب أمام الحد من حرية تأسيس المنظمات، ومجالًا للقمع على أساس سياسي وفئوي تسمح شروط الترخيص المشار إليها بتقييد تأسيس هذه المنظمات لأسباب سياسية، إذ بخلاف ما هو معمول به في دول أخرى ومواثيق دولية، يحتاج تأسيس المنظمة إلى ترخيص من الدولة، لا إلى مجرد "علم وخبر" يتم بموجبه إعلام السلطات فقط بالتأسيس دون اشتراط موافقتها المسبقة على التأسيس.

من الناحية العملية لم يبرز إلى العلن تقييد قمعي لترخيص المنظمات، بل شهد الشارع السوري انفلات لعمل بعضها بطريقة عشوائية أدت في حالة من الحالات إلى ما اعتُبِر طمسًا لأدلّة جنائية في المعتقلات.

     نظرًا للوضع العام في سوريا، تبدو قطاعات عديدة، أساسية، منهارة، ولا تتوفر الإمكانيات المادية، والبشرية أحيانًا، للنهوض بها، ومن هنا تبرز ضرورة الدور الذي يمكن للمنظمات غير الحكومية الاضطلاع به، لكن بعض الناشطين والناشطات في المجتمع المدني السوري يناقشون مخاوف تجاه هذا الدور وتبعاته.

     ينطلق النقاش من مسلمة يعتقد بها ناشطون وناشطات كثر تفيد بحق المنظمات غير الحكومية في الوجود والعمل دون تقييد أمني سياسي من السلطة، فحقبة الأسد يجب أن تذهب دون عودة بممارستها، ولكن بحسب سامر (اسم مستعار)، 37 سنة، الذي عمل في منظمات سوريا في بيروت ثم غازي عنتاب في مجال المحاسبة المالية، فإن المخاوف تنقسم بين الدور الذي يمكن للسلطة أن تمارسه سلبًا في هذا القطاع "سواء أكان ذلك بقرار مركزي جدي أم من خلال ممارسات فردية باتت شائعة" من جهة.

جانب آخر يستدعي الانتباه، هو احتمال ضرر تمدد المنظمات لتطول بنشاطاتها قطاعات مولجة بالدولة كالصحة والتعليم والإسكان، "ما قد يصعب عملية الاستغناء عن دور هذه المنظمات في المستقبل، ويكرر نموذجًا جرى اختباره في دول أخرى حيث تجاوزت المنظمات دورها لتساهم، ولو دون قصد، في القيام بواجبات الدولة وبالتالي استمرار ضعفها وتخليها عن دورها".

قد تبدو كل هذه الطروحات غير ذات صلة عند طرح سؤال التمويل، إذ شهد التمويل الموجه إلى سوريا انخفاضًا كبيرًا على مر السنوات الماضية نتيجة للإرهاق الذي أصاب الجهات المانحة، وبروز أزمات عالمية جديدة، وتغير الأولويات. في المؤتمر التاسع في بروكسل "الوقوف مع الشعب السوري" على سبيل المثال، تم التعهد بحوالي ٥،٨ مليار يورو، بانخفاض قدره ٢٩٪ مقارنة بالمؤتمر السابق.

بحسب خبيرة التمويل وكتابة المشاريع مريم (اسم مستعار) "يتفاوت توجّه التمويل المستقبلي بحسب نوع الجهة المانحة. فالمؤسسات الخاصة غالبًا ما تتجنب تمويل الجهات الحكومية، وستبقى تركز على دعم المجتمع المدني بشكل مباشر، رغم تراجع أولوية سوريا ضمن أجندتها. أما بعض الدول الخليجية، التي دعمت منظمات غير حكومية في السابق، فمن المرجح أن تتجه إلى العمل الحصري أو شبه الحصري مع الحكومة السورية، وقد تتبعها بعض الجهات الثنائية الأخرى تحت مظلة "التعافي المبكر" أو "الاستقرار"".

في المحصلة تبقى النتيجة العامة واضحة: تقلص متواصل في حجم التمويل المتاح بحسب مريم. ومع تحول الموارد نحو القنوات الرسمية أو تقليصها بالكامل، يتزايد خطر تهميش المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني المستقل، رغم استمرار هذه الجهات في خدمة الفئات الأكثر ضعفًا واحتياجًا في سوريا. ويتزامن هذا مع تراجع الولايات المتحدة عن تمويلها الإنساني والتنموي الدولي، ما يضع تحديًا كبيرًا أمام بقية المجتمع الدولي.

تحول جزء، كبير أو صغير من التمويل المتضائل أصلًا، من المنظمات غير الحكومية إلى الحكومة نفسها ليس أمرًا سيئًا بالمطلق، إذ يشكل دعم الأجهزة الرسمية في مجال الإغاثة والتعليم والخدمات الطبية، تدخلًا في مكانه وإعادة هذه المسؤوليات إلى الجهة الأساسية التي يجب أن تكون مولجة بها، ولكن يطرح هنا سؤال القدرة الاستيعابية خاصة مع ضعف خبرة الحكومة وقدراتها التنفيذية، ومدى الحاجة المرحلية إلى الاستعانة بخبرات وقدرات المنظمات غير الحكومية ولكن تحت إشراف حكومي.

أما لجهة المشاريع المتعلقة بالتوعية والتمكين، كتلك التي تتطرق إلى مواضيع المناصرة والمواطنة والحوار وما شابه، يظهر أنه من الأفضل أن تبقى بعيدًا عن توجيه الحكومة مباشرة واستمرار تنفيذها من قبل جهات غير حكومية غير مرتبطة بالسلطة لتجنب أي أدلجة أو تضارب في المصالح.

ترى مريم أن هذه لحظة اختبار حقيقية: "إما أن يختار المجتمع الدولي التراجع، أو أن يغتنم الفرصة لإظهار قيادة إنسانية جريئة في سوريا، عبر اتخاذ قرارات شجاعة، وتوجيه التمويل للجهات التي تصنع فارق فعلي على الأرض، وتسهم في بناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا. نعم، هناك حاجة لدعم المؤسسات الحكومية الجديدة وبناء الدولة، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب المجتمع المدني، الذي كان في طليعة الاستجابة، ولا يزال ركيزة أساسية لأي تحول مستدام في البلاد".

Date of publication
Author
Roger Asfar