الصورة لحسين نصر الدين
"لم يكن لدي خيار، كنت مُلزمًا بالبقاء، فلم يكن أمامي سوى أن أكون إلى جانب مرضانا حتى آخر لحظة". هذا ما قاله الشاب حسن (32 عامًا) ابن بلدة الطيري الجنوبية (قضاء بنت جبيل)، الذي اختار البقاء في عمله كممرض عناية فائقة في مستشفى ميس الجبل ومستشفى بنت جبيل الحكومي، رغم القصف الإسرائيلي الكثيف الذي تعرضت له المنطقة.
في اللحظات التي طغت فيها أصوات الانفجارات على كل شيء، كان حسن، كما غيره من أفراد الطواقم الطبية، يقاوم في سبيل الحياة وسط الموت والدمار، ففي قلب الجنوب اللبناني، حيث الهدوء كان يسبق العاصفة، استهدفت الطائرات الإسرائيلية عددًا من المستشفيات، في محاولة لتحطيم روح الصمود التي تدفع إلى علاج الجرحى وتقديم الأمل للمرضى.
كان حسن شاهدًا على قسوة العدوان، حيث كانت أصداء القصف تتردد من حوله، بينما كان يتنقل بين غرف المستشفى، يخفف من آلام المصابين، ويحاول تأمين العلاج وسط الخوف والدمار. في حديثه عن ذكريات الحرب يقول: "كلما اقتربت الطائرات، كنت أسمع الانفجارات في الخارج، وكانت الجدران تهتز من شدة الصواريخ. ومع ذلك، لم نفكر في مغادرة المكان، فقد كان المرضى بحاجة إلينا".
مستشفى الشهيد صلاح غندور، مستشفى بنت جبيل الحكومي، ومستشفى ميس الجبل وغيرها من المرافق الصحية كانت من بين الأماكن التي تعرضت لقصف مباشر، ما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من أقسامها الحيوية وإخراج بعضها عن الخدمة. لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على تدمير أبنية المرافق الطبية فحسب، بل تعدى ذلك إلى استهداف الطواقم الطبية نفسها. إذ تعرض العديد من فرق الإسعاف إلى الاستهداف المباشر، ما أسفر عن استشهاد العديد منهم. استهدف الجيش الاسرائيلي فرق إنقاذ كانت تحاول انتشال الجرحى من بين الأنقاض، في مشاهد وثقت بشاعة وهمجية الاحتلال، الذي لا يفرق بين مدني أو مريض أو مسعف.
تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة إلى أن عدد الشهداء العاملين في القطاع الصحي قد تخطى 220 شهيدًا و330 جريحًا، أما عدد المستشفيات المستهدفة فقد بلغ 40، بالإضافة إلى تضرر 25 آلية إسعاف. بعد الاطلاع على هذه الأرقام كان لا بد من الوقوف على تفاصيل هذه الاعتداءات والجرائم.
في مستشفى الشهيد صلاح غندور، يصف المدير الإداري حسين نصر الدين العدوان الإسرائيلي على المستشفى بالإرهابي مؤكدًا أنه يندرج تحت إطار "الجريمة بحق الانسانية"، وقال إن أحد المعنيين بالمستشفى تلقى اتصالًا طلب منه خلاله إخلاء المستشفى، لكن المستشفى قصف دون أي مهلة زمنية فعلية، أي أن "العدو لم يمهل الفرق الطبية والمرضى الوقت الكافي للإخلاء"، وقد أسفر العدوان عن إصابة أطباء التخدير والعظام والشرايين بالإضافة إلى طبيب الطوارئ، وعدد آخر من الطواقم الطبية والمرضى. أما لجهة الأضرار المادية فوصفها بـ "الكارثية" إذ بلغت تكلفة الترميمات حتى الآن حوالي 800 ألف دولار.
عن تفاصيل إعادة الترميم يشير نصر الدين أن المستشفى أصبحت تعمل اليوم بشكل شبه كلي، باستثناء بعض التفاصيل الكمالية، ويوضح أن تكلفة الترميم تبنتها إدارة المستشفى والقيمين عليها، في ظل غياب شبه كلّي لوزارة الصحة والدولة. أما رئيس بلدية ميس الجبل، عبد المنعم شقير، فيصف ما حصل في المدينة بالإعصار الكاسح. ويتابع بعد تنهيدة طويلة "لا كهرباء، ولا ماء، ولا خدمات صحية ولا غيرها... بميس الجبل ليس هناك حياة!"
بشأن الوضع في مستشفى ميس الجبل، التي تغطي الخدمات الصحية لحوالي 25 بلدة وضيعة مجاورة، يضيف إن الأضرار كبيرة جدًا حيث طاولت المعدات والبناء. لكن بالرغم من ذلك، لم تخرج المستشفى عن الخدمة كليًا، إذ لا يزال قسم الطوارئ يعمل بشكل كامل، ويقدم الإسعافات والخدمات الصحية اللازمة للحالات الطارئة، ليتم بعد ذلك نقل المرضى إلى المستشفيات القريبة التي ما تزال عاملة.
ويؤكد شقير أن مجلس الجنوب تعهد بإعادة ترميم المستشفى، "أما وزارة الصحة فقد اكتفت بالوعود ولا أفعال حتى الآن". لم تختلف مناشدة شقير عن مناشدات أهالي المناطق الحدودية، إذ يشدد شقير على ضرورة تحرك الجهات المعنية وجمعيات المجتمع المدني لإعادة الحياة للمناطق المنكوبة وإحباط مخطط العدو بجعلها مناطق عازلة خالية من السكان.
في ظل صمتٍ دولي مستغرب، نزف القطاع الصحي في الجنوب كما نزفت أرواح المسعفين والمرضى تحت الركام. وتعمد الاحتلال الإسرائيلي استهداف المستشفيات وفرق الإنقاذ، ضاربًا بعرض الحائط كل القوانين والأعراف الإنسانية.
لم تكن تلك الأبنية مجرد جدران من حجار، بل كانت ملاذًا أخيرًا للنجاة، ومساحات مقاومة بالحياة وسط الموت. مع كل صاروخ سقط، حاول العدو كسر إرادة من قرر أن يبقى ليسعف، ويداوي، ويمنح الأمل. لكن رغم الألم والخذلان، لم تنكسر الروح، فالعاملون في القطاع الصحي، بصمودهم وشجاعتهم، أثبتوا أن إنسانية الجنوب أقوى من كل آلة حرب، وأن علاج الوطن يبدأ من إنقاذ إنسانيته.