Skip to main content

القطاع الزراعي في سوريا. واقع محبط ومستقبل صعب.

الصورة ل جنان الجندي

تغنى نظام البعث في سوريا طويلًا بالـ "اشتراكية"، فكان هذا الشعار ملازمًا للشعب في تفاصيله اليومية، بدءًا من مقاعد الدراسة وصولًا إلى مؤسسات الدولة كافة. وبالطبع، كان القطاع الزراعي متأثرًا بهذه الشعارات كونه الركيزة الأساسية التي استند إليها النظام الاقتصادي.

في نظرة شاملة إلى آلية عمل دوائر الدولة التابعة لوزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، من إرشاديات زراعية ومصارف زراعية واتحاد فلاحين، قد نلاحظ وجود دعم كبير للعاملين في الزراعة، بدءًا من تأمين البذار، وتقديم القروض ضئيلة الفوائد لاستصلاح شبكات الري والأراضي غير الصالحة للزراعة، وتوفير الاستشارات الزراعية من مهندسين/ات زراعيين لتحديد الأنواع المناسبة لكل منطقة في سوريا، وصولًا إلى تشكيل جمعيات تعاونية فلاحية إنتاجية تعزز روح التضامن. إلا أن ذلك لم ينعكس إيجابيًا على حياة الفلاحين، ما يشير إلى وجود تناقض بين السياسات المعلنة والواقع.

فعلى سبيل المثال، نصّ قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 على منع الفرد من امتلاك أكثر من 80 هكتارًا من الأراضي المروية، أو 300 هكتار من الأراضي البعلية، وفقًا للمادة الأولى. في المقابل، سمح القانون للدولة بامتلاك أراضٍ زراعية دون سقف وفق المادة الخامسة، حيث بلغت المساحات الزائدة المستولى عليها ما يقارب مليون و225 ألف هكتار، أي ما يعادل خُمس مساحة الأراضي المستثمرة زراعيًا. ويُعد ذلك تحولًا من الاشتراكية كمفهوم اقتصادي قائم على العدالة إلى "رأسمالية الدولة"، حيث تستولي السلطة على الأملاك العامة لصالح شخصيات نافذة، على حساب الفئات العمالية والفلاحية. وقد أثرت هذه السياسات بشكل مباشر على مساهمة الفلاحين في الاقتصاد الوطني، إذ بلغت نسبة العاملين في الزراعة عام 1963 حوالي 60% من إجمالي القوة العاملة، وانخفضت إلى 30% عام 1980، ما يشير إلى إهمال مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وخسارة أعداد كبيرة من الفلاحين.

بعد تولي الأسد الابن السلطة، وعد في أول خطاب له بانفتاح ثقافي، وحريات سياسية، وازدهار اقتصادي يعود بالنفع على الفئات الشعبية. إلا أن المقصود كان فتح السوق دون رقابة حقيقية من أجهزة الدولة، مع فرض ضرائب كبيرة على عمليات الاستيراد، والتوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية، والتخلي عن تأميم المنشآت وتحويلها إلى أملاك عامة. وبهذا بدأت مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي.

نشر موقع "المجلة" تقريرًا يُظهر تغيّر طبيعة المراسيم التشريعية حسب الحقبة الحاكمة: ففي عهد "البعث" بين عامي 1963 و1971، كانت نسبة التأميم 43%، تليها المصادرات (38%) والتنظيمات (14%) ثم الاستملاكات (5%). أما في عهد "حافظ الأسد"، فتركزت المراسيم على التنظيمات العمرانية (42%)، تليها المصادرات (35%) ثم الاستملاكات (15%) فالتأميم (8%). وفي عهد "بشار الأسد"، كانت النسبة الكبرى تتعلق بالملكية والتنظيم العقاري واستثماراته (74%)، تليها المصادرات (12%) فالاستملاكات (14%).

إن الزحف العمراني وتحويل الأراضي الزراعية إلى مشاريع عقارية، أثّر بشكل مباشر ليس فقط على الزراعة، بل على حياة الريف السوري الذي عانى من تهميش متعمد وغياب الخدمات الأساسية. ففي مقابلة مع أحد الفلاحين من قرية عقارب الصافية (محافظة حماة)، عبّر عن تجاهل الدولة لمطالب قريته في إيصال مياه الشرب بكميات كافية للاستخدام اليومي والزراعة، موضحًا أن "مياه الشرب بدأت بالشح منذ التسعينات، حيث كانت تصل مرة أو مرتين في الشهر، مما اضطرهم لشراء المياه أو حفر الآبار من خلال الاستدانة أو الحصول على قروض يعجزون عن سدادها".

كل ذلك انعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي، الذي استمر في الانهيار بالتوازي مع القمع، وغياب الحريات السياسية، ما أدى مع عوامل عدة أخرى في النهاية إلى اندلاع الثورة السورية عام 2011. ولم تسلم الأراضي الزراعية من آثار الحرب، إذ تضررت مدينة مورك (ريف حماة الشمالي)، المشهورة بإنتاج الفستق الحلبي، نتيجة القصف والحرق. كما تأثرت أشجار الغوطة المثمرة بالقصف الممنهج، ما قلّص إنتاج الفواكه إلى مناطق الساحل السوري فقط، ورفع أسعارها بشكل كبير، مانعًا شريحة واسعة من السوريين من شرائها، ودافعًا البلاد إلى أزمات متتالية من كساد الفواكه والخضار.

انتشرت في السنوات الأخيرة مقاطع فيديو تُظهر مزارعين يتخلصون من محاصيلهم في الأنهار لأن تكلفة التخلص منها أقل من تكلفة نقلها وبيعها في الأسواق. كما كان لظهور تنظيم داعش في المناطق الشرقية من محافظة حماة تأثير بالغ على الزراعة، حيث تُزرع محاصيل أساسية مثل القمح والشعير وأشجار الزيتون. زراعة جيش النظام وميليشياته لحقول واسعة من الألغام قلص مساحات الزراعة البعلية، وقلّل من مساحات الرعي للحيوانات، مما رفع أسعار اللحوم الحمراء لتصل إلى 20 دولارًا للكيلو، أي ما يعادل راتب موظف حكومي.

تسببت كل هذه العوامل بانهيار في مستوى معيشة الفلاحين والمواطنين عمومًا، بالتوازي مع تدهور العملة السورية، وانخفاض الرواتب إلى أدنى المستويات عالميًا، وانعدام القدرة الشرائية، إلى جانب الحصار الاقتصادي وصعوبة وصول التحويلات من المغتربين.

مع سقوط نظام الأسد، تغيّر المشهد السوري على كافة الأصعدة، وكان للقطاع الزراعي نصيب كبير من هذا التغيير. فقد أعلنت السلطة الجديدة عن تغييرات كبيرة في السياسات الاقتصادية، وانفتحت بشكل مباشر على السوق التركية، فتدفقت البضائع التركية من ملابس ومنتجات غذائية وتجارية، مما أثّر على إقبال المستهلكين على المنتجات السورية المزروعة والمصنّعة. كما كان لمجازر الساحل أثر مباشر على السوق الزراعية، إذ أن أغلب المنتجات الزراعية القادمة من الساحل لم تعد متوفرة نتيجة الحصار الذي فُرض على المنطقة لأكثر من شهر، ما أدى إلى ارتفاع عام في أسعار المنتجات الزراعية.

في مقابلة مع رئيس الإرشادية الزراعية في بلدية بري الشرقي التابعة لريف سلمية المهندس حسين الضمان، تحدث عن واقع المؤسسات الزراعية قائلًا: "الإرشاديات الزراعية لا تزال قائمة وتحافظ على كوادرها، لكن العمل فيها مقتصر على الإحصاء فقط. في عهد الأسد، كانت الإحصاءات تعتمد على العلاقات الشخصية بسبب تدني الأجور وعدم قدرة العاملين على زيارة الحقول وتسجيل البيانات بدقة، وأحيانًا تُعتمد أرقام السنوات السابقة بحجة عدم وجود تغيير، رغم أن الواقع الزراعي يتغير باستمرار. بعد التحرير، توقفت عمليات التنظيم الزراعي، وتغيّرت آليات العمل، كما توقف الدعم الزراعي بالكامل، سواء دعم المازوت أو البذور أو القروض الزراعية. كما تم حلّ الاتحاد العام للفلاحين والجمعية التعاونية، لكونهما عبئًا بلا نفع حقيقي، لكننا نأمل بتغيير قادم رغم غياب الإمكانيات".

أما الواقع الزراعي فوصفه بـ "الكارثي"، وأضاف: "وضع المزارعين سيئ للغاية، خاصة مع موجة الجفاف التي لم نشهد مثلها منذ عام 1984. فمعدل الأمطار هذا العام لم يتجاوز 110 ملم، مقارنةً بأسوأ معدل سابق كان 170 ملم. على سبيل المثال، في منطقة بري الشرقي، هناك 140 ألف دونم مزروعة بالشعير لن تُحصد، والخسائر المادية لهذا العام كارثية، سواء في محاصيل الشعير أو الكمون، وبعضها لم ينبت أصلًا".

اليوم بعد سقوط النظام والأمل برفع كامل ومستمر للعقوبات، قد يحمل فتح السوق آثارًا كارثية إذا لم تتدخل الدولة بتنظيم أنواع الاستثمارات. فمثلًا، انتشر عالميًا نوع من القمح المُهجن تُزرع بذوره مرة واحدة فقط، ما يضطر المزارع لشرائه سنويًا، على عكس البذور الأصيلة المحلية التي يمكن إعادة إنتاجها. كما يؤدي استيراد هذه البذور إلى استيراد آفاتها، مما يدفع الفلاح لشراء مبيدات، فتدخل الزراعة في حلقة مفرغة من المشاكل. لذا، فإن العودة إلى الزراعة العضوية التقليدية والعمل التعاوني بين المزارعين، كمبادلة المحاصيل والبذور محليًا، يُعد أحد الحلول الملائمة لطبيعتنا الاجتماعية والبيئية. بيد أن العودة إلى هذا النموذج التعاوني يحتاج إلى تنظيم وجهود حثيثة من المنظمات والنقابات والجهات الفاعلة التي تضع مصلحة المزارع في المقدّمة.

قد يكون ما مرّت به سوريا في الحقبة الأسدية من أحلك المراحل في تاريخها، وكانت آثاره كارثية على جميع القطاعات، وعلى رأسها الزراعة. إلا أن البقاء مكتوفي الأيدي لا يغيّر شيئًا، بل يزيد التدهور. لذا، فإن الفرصة الآن بيد الناشطين والناشطات، والفئات المهتمة، لوضع استراتيجيات جماعية ومنظّمة تدعم القطاع الزراعي، من خلال تعزيز العمل التعاوني من جهة، والضغط على الحكومة لمراقبة الاستثمار ووضع المواطن كأولوية من جهة أخرى.

Date of publication
Author
جنان الجندي