Skip to main content

"سوريا واحدة أم سوريات؟" كيف يرى شباب سوري وطنه

الصورة ل أحمد عكاشة/ pexels

لم تكتف الحرب السورية بتقسيم الأرض بل تركت وراءها أجيالًا تختلف ليس فقط في اللغة التي تتعلم بها ولا النشيد الوطني الذي تردده ربما، بل في السردية الخاصة بالوطن والوطنية الواحدة. نشأ الجيل السوري الجديد في مناطق نفوذ متباينة أفرزت انقسامات عميقة في مفاهيم الانتماء والهوية الوطنية فبات الوطن لدى كثير من الشباب مرتبطًا بالخوف أو بالمكان الذي وصموا فيه بتعميمات قاسية مثل الإرهابي أو الانفصالي، ومع تفاقم الصعوبات اليومية وانعدام الفرص والأمن إلى انقطاع الخدمات الأساسية يصبح سؤال: "إلى ماذا أنتمي؟" أكثر إرباكًا.

دخلت سوريا بعد عام 2011 واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا في التاريخ الحديث، بدأت الاحتجاجات الشعبية بمطالب إصلاحية سلمية ثم تحولت إلى صراع أهلي متعدد الأبعاد والأطراف مع تزايد التدخلات الدولية، ما نتج عنه تفكك فعلي لمؤسسات الدولة المركزية وظهور سلطات أمر واقع متباينة، وعلى مدار السنوات تعاقبت السيطرة على الأراضي السورية بين قوى متعددة رسمت المشهد الجغرافي والسياسي في البلاد عبر عدة كيانات رئيسة:

1- قوات سوريا الديموقراطية التي تغطي مناطق شمال شرق سوريا التي تتركز فيها نسبة عالية من المواطنين السوريين الكرد.

2- النظام السوري السابق الذي كان يسيطر لسنوات على أجزاء كبيرة من الجنوب والوسط والساحل السوري، وبعض مناطق شمال شرق.

3- تنظيم داعش الذي فقد معظم مناطق سيطرته بين عامي 2017 و2019، إلا أن خلاياه لا تزال تشكل تهديدًا أمنيًا في مناطق البادية السورية وجوارها.

4- فصائل المعارضة على رأسها هيئة تحرير الشام سابقًا التي كانت تسيطر على شمال غرب سوريا ومناطق أخرى، وتمتد سيطرتها اليوم كسلطة انتقالية إلى حكومة دمشق بعد سقوط النظام السابق مع محاولات لبناء تفاهمات مع قوات سوريا الديموقراطية وأخرى السويداء.

مع سقوط النظام السوري برزت تساؤلات أعمق لدى كثير من الشباب لا تتعلق بوحدة الأراضي السورية فقط، بل بإمكانية بناء هوية وطنية تشعرهم بأنهم مرئيون ومعترف بهم وبحقوقهم بعد سنوات من العزل والاقصاء والهجرة القسرية.

ساهمت الحرب في تعميق الانقسامات الدينية والطائفية والإثنية القائمة قبل عام 2011 فالسنة والعلويون والدروز والمسيحيون والإسماعيليون فضلًا عن الكرد والآشوريين والسريان والتركمان يعيشون أشكالًا متباينة من الوجود السياسي والتمثيل الاجتماعي، فقد يتقاطع الانتماء الديني أو القومي مع الولاءات السياسية والجغرافية وقد يطول الانقسام المكونات نفسها من الداخل، فالعرب منقسمون بين معارضة وموالاة، كما أن الكرد بدورهم ليسوا كتلة واحدة، وإلى جانب ذلك نشأ جيل كامل في المهجر.

"اسمي حسام عمري 21 عامًا أدرس معهد لغة إنكليزية في مدينة إدلب وأعمل في متجر لمساعدة أسرتي، التفكير بالانتماء لسوريا واحدة لا يزال ضبابيًا في مخيلتي رغم سقوط النظام السابق، قبلها لم أر من سوريا سوى إدلب وبعض ريفها ". يشير حسام إلى أنه لم يملك جواز سفر قبلًا ولم يشارك في أي انتخابات، عاش حصارًا طويلًا ويؤمن أنه الأحق بتمثيل سوريا هو وسكان إدلب بعد القصف والنزوح  الذي عاشوه. هذا حق يجب الاعتراف به لا نكرانه". لحسام أصدقاء خارج منطقة إدلب، علاقة اتسمت في الماضي بالسرية، ولكنه يعترف: "لا أزال أجد نفسي محملًا إياهم بعض مسؤولية الصمت عن قصفنا وقتلنا". يشعر حسام بالغربة عندما يجد احتياجاته الأساسية تعتبر رفاهية في وطنه، وأن تمثيله كشاب في مؤسسات منطقته ضعيف، بالإضافة إلى التشكيك بمعاناته وتعميم وصف إرهابي على أمثاله من سكان إدلب.

      في المقابل تأتي شهادة كرم ابن العشرين، طالب الجامعة المقيم في دمشق الذي لم يغادر سوريا قبلًا، "لطالما اعتقدت أن الانتماء يعني ترديد النشيد الوطني صباحًا "حماة الديار عليكم سلام"، واحترام الحكومة وأن أكون صامدًا ومقاومًا، لكن بعد الحرب أصبح الانتماء لدي مرتبطًا بالحياة اليومية: أن أتمكن من العيش بأمان، وأجد فرصة عمل لأعيش بكرامة دون أن اضطر إلى مغادرة البلاد".

يتابع كرم، "من الناحية القانونية، نعم أنا مواطن  سوري، أما من الناحية الفعلية فلم أشعر خلال السنوات السابقة  بأني مرئي ولطالما شعرت بأني مراقب، خلال السنوات السابقة لم أتمكن من التواصل المباشر مع سوريين آخرين في مناطق السيطرة المختلفة، كانت معرفتي غالبًا تأتي من وسائل الإعلام أو الإنترنت، بعد سقوط النظام السوري  ينتابني الفضول تجاههم وأحاول أن أعرف كيف كانوا يعيشون وماهي انطباعاتهم عنا نحن الشباب الذين لم نتمكن من مغادرة البلاد... نعم شعرت بالغربة عندما تمنيت مرارًا مغادرة البلاد كي لا ألتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية، ولأحصل على وظيفة بمرتب يستحق الجهد الذي أبذله وشعرت بالغربة مرة أخرى عندما أطلق علينا نحن الشباب في دمشق "شبيحة" أو "مكوعين" بالرغم من أن مراكز صنع القرار لم تكن متاحةً لنا يومًا".

في شمال شرق سوريا، يعيش آلان البالغ من العمر 24 عامًا من مدينة القامشلي، حيث يدرس في إحدى الجامعات المحلية التابعة للإدارة الذاتية، "عندما أفكر في الانتماء إلى سوريا أشعر بالحيرة! أنا كردي مررت وأسرتي بالعديد من مواقف التهميش اللغوية والسياسية، لذا كان من الطبيعي أن نبحث عن هوية تعترف بنا، بلغتنا وبقضيتنا، ومع ذلك لم أشعر أنني منقطع عن سوريا، بل شعرت أننا نحاول إعادة تعريف ما تعنيه سوريا بطريقة تشمل الجميع، ليس فقط من وجهة نظر واحدة، هناك تباينات عميقة نحو معنى الانتماء والوطن حتى بين الكرد.

يشرح آلان أنه على مستوى الدولة السورية طوال السنوات السابقة لم يجد نفسه ككردي ممثلًا، ولم تتوافر مؤسسات تحميه، "ما يطرح تساؤلًا مربكًا: هل ننتظر وطنًا يعترف بنا؟ أم نصنع وطننا الصغير ضمن حدود غير واضحة؟ هناك رغبة صادقة لدى شباب من حولي في التواصل مع الشباب السوريين وتكوين مساحة مشتركة ضمن عقد يضمن حقوق الجميع، فالانتماء ليس جغرافيا بل الاعتراف بك وبحقوقك، ولكن نعم شعرت بالغربة حين كان علينا إخفاء لغتنا وثقافتنا واحتفالاتنا، وعندما وصفت بالانفصالي لأكثر من مرة".

يارا ابنة الـ 23 من جهتها تقيم في برلين منذ حوالي ثمان سنوات، وصلت إلى ألمانيا مع أسرتها، حاملة معها انتماءً سوريًا ما، لكن مع مرور الوقت ومتابعة التواصل مع سوريين آخرين بدأت تشعر بأن أبناء كل منطقة يتحدثون عن وطن مستقل، "في الوقت نفسه لم اختبر شعور الاندماج الكامل هنا. أي نسخة سأقدم للآخرين؟".

تشعر يارا من خلال تواصلها مع السوريين في الداخل بالكثير من العاطفة والشعور بالذنب تجاههم، "يزداد شعوري بالانتماء لمن فقدوا بيوتهم وأصواتهم وأحلامهم، أكثر من انتمائي لدولة أو راية، إضافة إلى أن سقوط النظام السابق يمنحني كثيرًا من الأمل بإمكانية الحديث عن سوريا واحدة كوطن للجميع". الغربة بالنسبة ليارا هي الخوف والقلق من العودة إلى الوطن الأم بدون حقوق الإنسان وبدون فرص عمل عادلة كريمة، إضافة إلى تهمة أن الغربة تمنع عن فهم السياق الواقعي الموجود على الأرض.

رغم اختلافات البيئة الجغرافية والثقافية والمآلات الشخصية، إلا أن تجارب هؤلاء الشباب تتقاطع في نقاط واضحة: الإقصاء عن الفضاء الوطني المشترك وضعف تمثيلهم كشباب، كما الخوف من استمرار هشاشة حقوق الإنسان والفقر، والصور النمطية والتعميمات المسبقة... لا تعني هذه الانقسامات غياب الأمل بل تسلط الضوء على الحاجة الملحة لإعادة بناء سردية وطنية تعترف بالتنوع، فالانتماء المتصدع ومعاناة الشباب ضمنه ليس فقط مجرد أزمة شعور بل تهديد لفكرة سوريا كوطن جامع، جيل ما بعد الحرب لا يطلب سوريا موحدة فقط، بل كوطن يعترف به وبحقوقه ويحترم التنوع وتٌكفل فيه الحقوق المتساوية والحياة الكريمة.

Date of publication
Author
مريم طاهر