Skip to main content

أزمة المجتمع المدني في تونس... نضال في مرمى رصاص الشعبوية

الصورة ل منال دربالي

تاريخ 25 تموز/يوليو 2021 تاريخ مفصلي في تونس. يومها، بعد تحركات احتجاجية أمام البرلمان في مدينة باردو قرب العاصمة تونس، أطل علينا رئيس الجمهورية قيس سعيد في اجتماع لمجلس الأمن القومي ليعلن عددًا من الإجراءات أهمها تجميد عمل البرلمان. ومنذ ذلك اليوم دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة يسميها أنصاره مرحلة البناء والتشييد ويطلق عليها معارضوه مرحلة الإنقلاب، لكن عنوانها الأساسي هو مرحلة إنفراد الرئيس قيس سعيد بالسلطة. وفي هذه المرحلة تغير المشهد السياسي في تونس، فقد تغير الدستور والقانون الانتخابي والبرلمان وحتى النخب السياسية. ولم يكن المجتمع المدني، على إعتبار أنه أحد أهم الفاعلين في الحقل السياسي في تونس، خارج دائرة هذا التغيير.

منذ ثورة 2011، عرف عدد الجمعيات في تونس ارتفاعًا كبيرًا في ظل مناخ الديمقراطية الناشئة التي تلت سقوط نظام بن علي، ليمر من 9600 جمعية سنة 2011، إلى 25149 جمعية في نيسان/أبريل 2025 حسب مركز الإعلام والتكوين والدراسات والتوثيق حول الجمعيات "إفادة". ويعود هذا الإرتفاع الذي فاق الضعف إلى سببين رئيسيين، أولًا مناخ الديمقراطية والانفتاح السياسي الذي خلفته الثورة على أعقاب نظام بن علي، وثانيًا الإطار القانوني الذي ساهم في تسهيل تأسيس الجمعيات، وهنا نتحدث عن المرسوم 88 لسنة 2011 والمنظم لتكوين الجمعيات في تونس.

بذلك شهدنا تنامي دور المجتمع المدني كفاعل سياسي مهم في المحطات السياسية الكبرى التي عرفتها تونس بعد الثورة، مثل فترة كتابة الدستور، مراقبة الانتخابات، والقيام بحملات مناصرة حول بعض القوانين مثل قانون مناهضة العنف ضد المرأة... لكن بعد 25 تموز/يوليو 2021، دخل الحقل السياسي التونسي في أزمة نتيجة إحكام الرئيس قيس سعيد سيطرته عليه، ولم يكن المجتمع المدني خارج دائرة هاته الأزمة.

"أزمة السلطة مع المجتمع المدني أخذت منعرجًا منذ سنة 2022، كان ذلك مع كل الأجسام الوسيطة وأجسام الدولة الوسيطة مثل البرلمان والقضاء والهيئات المستقلة". هذا ما صرح به مدير برامج مركز الكواكبي للتحولات الديمقراطية أمين غالي، مضيفًا "سلوك السلطة المعادي للمجتمع المدني أخذ العديد من الأشكال، أولًا في شكل خطاب تحريضي تخويني للجمعيات والناشطين فيها. ثانيًا، في خلق مسافات بين منظمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة وخاصةً بوقف التعامل معها وإيقاف عدة شراكات بين الطرفين من قبل هذه المؤسسات. ثالثًا، في شكل قانوني من خلال الدعوات المتعددة من أطراف في الحكم (نواب بالبرلمان ورئاسة الحكومة) لتغيير الإطار القانوني المنظم لعمل المجتمع المدني في تونس. رابعًا، في شكل ملاحقات قضائية وقانونية وأمنية طاولت عددًا الأفراد الناشطين في عدد من الجمعيات. وأخيرًا، في شكل ضغوط مالية حيث تمارس الدولة من خلال البنك المركزي والبنوك ضغطًا كبيرًا على الجمعيات وتمويلها".

من جهة أخرى تفيد الناشطة بجمعية النساء الديمقراطيات ورئيسة جمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات أسرار بن جويرة: "وقعت مداهمات على مقرات منظمات وجمعيات من طرف عناصر وزارة الداخلية وطرحوا أسئلة عن أعضاء الجمعية ونشاطاتها، وكان ذلك بدون أذون قضائية... التضيقات التي نواجهها تتراوح بين المراقبة الإدارية والسجن"، وأضافت:" الحملة التي قامت على المجتمع المدني أدت إلى هروب الأفراد والناشطين فيه عنه خوفًا، ما أدى إلى عزله وإضعافه. كذلك اختارت بعض الجمعيات الابتعاد عن النشاط في عدد من المواضيع، مثل الهجرة". 

تشكل شهادات الفاعلين والمراقبين للمجتمع المدني، دليلًا على وجود أزمة كبرى داخله ولكن ما الذي يفسر هذه الحملة على المجتمع المدني؟ 

في 10 تشرين الثاني/أكتوبر 2023، أودع 10 نواب في مجلس نواب الشعب مشروع قانون 27 لسنة 2023 حول تنظيم الجمعيات. وهو مشروع جاء لاستبدال القانون عدد 88 لسنة 2011 "وتصنفه المنظمات الدولية باعتباره واحدًا من أفضل 10 قوانين خاصة بالجمعيات في العالم، ويعتبره المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الجمعيات موروث الثورة التونسية. يتطابق المرسوم مع المعايير الدولية للعمل الجمعياتي من حيث حرية التأسيس والعمل، وضمان الرقابة الفعلية على عمل الجمعيات، وضمانات الشفافية المالية والإدارية، والحق في الوصول إلى التمويل بمختلف أنواعه، والتدرج في العقوبة من المستوى الإداري إلى القضائي". حسب دراسة لمجموعة العمل حول فضاء المجتمع المدني في كانون الأول/ديسمبر 2023. في شرح الأسباب في مسودة القانون المقترح، يعلل النواب مقترحهم بأن المرسوم 88 تحول إلى "مصدر من مصادر التشريع إلى الفساد وانتشار شبكات الإرهاب وتبييض الأموال". وبعد قراءة مشروع القانون المقترح، نفهم أن للنواب موقف واضح من الجمعيات ووجودها وذلك لسببين أساسيين، أولهما أنهم يعتبرون أن كثرة عدد الجمعيات من شأنه أن يضعف الدولة. لكن الأهم هو معاداتهم التمويل الأجنبي للجمعيات والذي يعتبرونه نوعًا من المساس من السيادة الوطنية، ويقول مشروع القانون الجديد صراحة في النقطة السابعة من الخطوط العريضة لهذا المشروع" "منع التمويل الأجنبي باستثناء التمويل ذي الطابع الإنساني بعد مروره على الهياكل الرسمية والحصول على الموافقة". في حين يسمح قانون 88 لسنة 2011 بالتمويل الأجنبي مع مراقبته.

اتهام المجتمع المدني بتلقي الأموال من الخارج قصد ضرب الاستقرار الداخلي والسيادة الوطنية ليس حكرًا على النواب، فلدى لقائه بوزيرة العدل يوم 7 كانون الأول/ديسمبر 2023، أعرب الرئيس قيس سعيد عن شديد استنكاره قائلًا أن "منظمة لن أذكر اسمها تلقت لوحدها، منذ سنة 2016، تمويلات من الخارج بقيمة سبعة ملايين دينار بزعم أنها باسم المجتمع المدني. وهذه الجمعيات ماهي إلا امتداد للدوائر الاستخباراتية الأجنبية. لا بد من تطهير البلاد ووضع حد لهذا الوضع". وكان قبل أسبوعين من ذلك يوم 24 تشرين الثاني/نوفمبر بالتحديد، قد اتهم جمعية أخرى -دون تسميتها هي الأخرى- بتلقي مليارات من الدنانير. وبالعودة إلى حوار سابق مع الرئيس قيس سعيد في فترة الحملة الانتخابية 2019، قال "عندي مشروع لإيقاف دعم كل الجمعيات سواء من الداخل أو من الخارج لأنها مطية للتدخل في شؤوننا".

مع التغيرات التي طرأت على تونس بعد الربيع العربي، أخذت الأمور اتجاه إلى المزيد من التشدد في السلطة، على نحو يمس مباشرة بعمل منظمات المجتمع المدني ونشاطها، ربما انطلاقًا من القول بعلاقة مباشرة بين الشعب والسلطة دون وساطات، التي تمثل -برأي السلطة- الفساد والمنظومة السابقة التي يجب محاربتها. يضع هذا التصور المجتمع المدني أمام تحدي استمرار النشاط والحفاظ على مساحات الحرية وإثبات خطأ تصور السلطة وطرحها. والأخطر أنه يهدد ركيزة أساسية من أساسيات المجتمع المدني، أي بالتحديد: استقلاليته ليكون فاعلًا حرًا وقويًا في خدمة العملية الديمقراطية والحريات الأساسية.

Date of publication
Author
حمادي الأسود