Skip to main content

مئوية الدستور: دعوة لتقديم أوراق بحثية

يحتلّ الدستور اللبنانيّ موقعًا محوريًّا ليس في الخطاب السياسيّ فقط بل أيضًا في التأريخ للبنان الحديث. فمنذ إقرار هذا الدستور في 23 أيار 1926، بات يتمّ دائمًا الرّبط بين النظام السياسيّ وضرورة إدخال تعديلات دستوريّة وفقًا لمشاريع إصلاحيّة أكثر من أن تعدّ أو تحصى. لا بل أنّ الحرب الداخليّة الطويلة التي عاشها لبنان بين 1975 و1990 جرى تصويرها في بعض محطّاتها على أنها إشكاليّة دستوريّة تتعلّق بالصلاحيّات وكيفيّة توزيعها وفقًا لمنطق طائفيّ على المؤسّسات الدستورية. 

ومع الحرب المدمّرة التي يشهدها لبنان جرّاء العدوان الإسرائيلي المستمرّ منذ 2024 مع ما يرافق ذلك من احتلال مناطق واسعة من جنوب لبنان وتواتر الكلام عن احتمال تفكّك الدولة في ظلّ أزمة سياسيّة حادّة حول مستقبل لبنان وموقعه في المنطقة، قد تتطوّر إلى صراع داخلي كما في 1975، لا بدّ من التساؤل عن  معنى أن “نحتفل” بمئويّة الدستور في وضع كهذا، وكيف يمكن تحويل “الاحتفال” المستحيل إلى عمليّة استبطان حقوقيّ ودستوريّ، تنطلق من خطورة الوضع الحالي للتفكير أولًا بما تستطيع الأدوات الدستورية فعله وما هي حدود قدراتها، وثانيًا بما تعلّمنا تجربة المئة عام السابقة على هذا الصعيد. 

وإذا كان تعديل الدساتير في المبدأ هو أمر طبيعيّ يهدف إلى تعزيز فعاليّة الدولة وقدرتها على تنظيم التنافس السياسي بشكل ديمقراطيّ وسلميّ، فإنّ الدستور اللبنانيّ انشغل بشكل خاصّ في توزيع الصّلاحيات بين سلطات الدّولة، على نحو يعكس تنافسًا غير خفيّ على توزيع الصلاحيات بين الطوائف وزعمائها. وقد سعى المشرّع الدستوريّ في زمن ما بعد الحرب إلى التّخفيف من هيمنة تقاسُم السّلطة الطائفيّ، من خلال إدخال معطيين: 

الأول، ما تجلّى في مقدمة الدستور والمادة 95 المعدّلة حيث جاء أنّ الهدف الوطني الأساسي يقضي بـ “إلغاء الطائفية السياسية”، على أن يتم ذلك “وفق خطة مرحلية” تشرف عليها هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية من أجل دراسة الطرق الكفيلة بإلغاء “الطائفية”. ويفهم تاليًا أنّ لبنان مدعوٌ إلى المضيّ في مسار انتقاليّ يقوده إلى تجاوز نظامه الراهن الذي يسوده تقاسم السلطة بين الطوائف، إلى نظام يتجاوز ضرورة هذا التقاسم ومقتضياته. 

والثاني، إضفاء المشروعية الدستورية على منظومة حقوق الإنسان، وفق ما نستشفّه في الفقرة “ب” التي تعلن التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية. ومؤدّى ذلك، تثبيت منظومة حقوقيّة حمائية تلتزم بها الدولة تجاه جميع مواطنيها أيًّا كان حجم الطوائف التي ينتمون إليها، من دون أي تمييز. 

فكأنما النظام اللبنانيّ الراهن الذي يقوم على الطائفية السياسية، هو في طور الزوال والتحوّل إلى نظام جديد هو في طور التكوين، وهو النظام الدائم الذي يطمح إليه الدستور، أو كأنّما نحن بكلام آخر في مرحلة انتقاليّة جاز توصيفها بأنّها برزخٌ وجوديّ، يتعيّن فيها على النظام السياسي الحاليّ اتّخاذ جميع الخطوات لتحقيق الهدف الدستوري سواء كان ذلك من خلال مؤسسات الدولة أو ضمان الحقوق الأساسية أو على صعيد الوئام الاجتماعي؛ على نحو يعزّز ثقة المواطنين بالدّولة بما تضمنُه وتمثّلُه ويقوّي الانتماء الوطني بالنّسبة إلى الانتماءَات الطائفيّة. 

إلّا أنّه ورغم أهمية هذا الهدف الدستوريّ، فإنّ الممارسة تظهر بشكلٍ ساطع أن السّياسات والممارسات العامّة المُعتمدة، أقلّه بعد 1990، تبتعد بصورة واضحة عن متطلّبات تحقيق هذا الهدف بل غالبًا ما تتناقض معه. وهذا ما نستشفّه من عددٍ كبير من السياسات والممارسات التي أدّت إلى تلك النتيجة مثل السيطرة على الوظيفة العامّة ومفاصل السلطة القضائية عبر الزبائنية وتطييف مواقع المسؤوليّة، وتبنّي قوانين انتخابية تساهم في تقوية سطوة الزعماء على مناطق نفوذهم. هذا علاوة على تهميش العمل النقابي واستتباع اتحادات العمّال بأحزاب السلطة. فكيف أمكن تجاوز الطائفيّة في حال كان النظام السياسيّ بأكمله يقوم على ربط مصالح المواطنين باعتبارات طائفية؟ وعليه، ولئن كان الدستور بمعناه القانونيّ يدعو إلى تجاوز النظام الذي يرسيه بفعل إلغاء الطائفيّة، يظهر أنّ النظام السياسي القائم كما تمارسه أحزاب السلطة الحاكمة، يمانع في إتاحة المجال أمام هذا التجاوز الذي يتهدّده. لا بل ليس خافيًا أنّ مؤدّى هذه الممارسات، وهذا ما نشهده بالعين المجرّدة، هو نقيض ما يطمح إليه الدستور تمامًا: وقوامه تعزيز العصبية الطائفية وترسيخ الانتماء الطائفي وتعميق الانقسامات الطائفية في المجتمع وبالنتيجة مفاقمة الاستقطاب القائم على خطاب الهوية والخوف من الآخر وصولًا إلى أسوأ الأنظمة الطائفية أو التوافقية المتعارف عليها عالميًّا وأكثرها كلفة وانحطاطًا. وهذا ما يفسّر أن تحلّ مئويّة الدستور في سياق تاريخيّ بلغ الانقسام الاجتماعي فيه وتهديداته أوْجه. 

وفي مواجهة ذلك، تبقى المقاومة الاجتماعيّة لهيمنة السلطة السياسية على الدولة والهادفة إلى تعزيز المساواة والعدالة الاجتماعية حاضرةً، وإن تبقى حتى اللحظة عاجزة عن تحقيق تغييرات حاسمة. وفيما شكلت لحظة 17 تشرين إحدى أهمّ لحظات المواجهة،  فإنّ هذه المقاومة الاجتماعيّة سرعان ما انحسرتْ وإن نشأت عنها مقاومات ما تزال ناشطة في مجالات عدّة. ويلحظ أنّ هذه المقاومة أو المقاومات غالبًا ما استخدمت الدستور وما يتضمّنه من أبعاد سياسيّة وحقوقيّة لتدعيم شرعيّة مطالبها وقوّتها، في اتّجاه إنصاف الضحايا والمهمّشين والدفاع عن مقدّرات الدولة وتعزيز وسائل تدخّلها من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ومنع الإفلات من العقاب، وصولًا إلى تحقيق انتصارات هامّة في حلبات القضاء أو القرار السياسي أو الخطاب العام. 

لذلك رأينا من المفيد في هذه الذكرى إعادة التفكير في وظيفة الدستور والأهداف التي يرسمها للبنان، بعيدًا عن الجدل العقيم حول الصلاحيّات والهويّة وطبيعة الدولة وتفاصيل المشاريع “الإصلاحيّة” التي تعتقد أنّ مجرّد إدخال تعديلات في نصّ الدستور يكفي لإيجاد حلول سحريّة للأزمات المتعدّدة التي يعاني منها لبنان، من دون إعطاء أي جواب بشأن حقيقة الدولة التي نطمح لتحقيقها وعلاقة المواطنين بها. إذ أنّ كلّ مقاربة واقعيّة للحياة السياسيّة يجب أن تنطلق من الأهداف التي يريد الدستور تحقيقها ومن ثمّ دراسة الأسباب التي تكمن وراء الفشل في تحقيق بعض هذه الأهداف أو معظمها، وصولًا إلى تحليل الدّستور في صيرورته، أي تفاعله مع مجتمعه التاريخيّ والنظام السياسيّ القائم من أجل معرفة مدى نجاحه في تحقيق أهدافه المعلنة. 

وفي الحالة اللبنانية، تستدعي هذه المقاربة أسئلة كبيرة حول مكمن التناقض بين هدف الدستور والسياسات والممارسات المعتمدة: فهل هو في الدستور الذي هدف إلى الخروج من ذاته، أم أنّه في النظام السياسي الذي يسعى جاهدًا إلى إبقاء الدستور في أسوأ أشكاله الطائفية وأكثرها كلفة وفداحة للدولة والمجتمع تحقيقًا لمصالح السلطة الحاكمة وديمومتها؟ وبما لا يقلّ أهمّية، ما هو الدّور الذي أدّته القوى الاجتماعيّة المتضرّرة من ممانعة هذه السلطة الاستجابة للهدف الدستوريّ؟ وما هي الآليات الدستورية التي استخدمتها لتعزيز قدرتها وهامش تحرّكها في هذه المواجهة؟ وتكتسي الإضاءة على هذا الوجه الإيجابي للدستور في الواقع أهمّية قصوى لا سيّما في الظروف الحالية التي يمرّ بها لبنان وذلك لبرهنة أنّ المقاومة عبر القانون تؤدّي إلى نجاحات حقيقية وأنّ النظام الدستوري ليس مجرّد ألعوبة في يد السلطة السياسية من أجل إحكام سطوتها على الدولة والمجتمع بل وسيلة بالغة التأثير كي يتمكّن المجتمع من الدفاع عن نفسه وعن منطق الدولة في وجه السلطة.   

من هذه الزوايا كافة، تبدو مئوية الدستور اللبناني بمثابة ذكرى لهذه الجدلية بين مقاربتين، التشاؤم والتفاؤل، بين تغوّل نظام سياسي على مرّ عقود للإمعان في تطييف الدولة والمجتمع، ومقاومة تجد في الدستور المرتكزات الكاملة والكافية لمجابهة منطق هذا النظام. فكلّ نظرة تريد أن تجد فقط في الدستور القانوني أساس المأزق الذي يمرّ به لبنان ستخفق في تحقيق مبتغاها لأنّ المسؤوليّة تقع دائمًا على من يتولّى فعليًّا مقاليد السّلطة وليس على نصّ قانونيّ مهما علا شأنه.      

Call Type
Call for Submissions
Organisation
Intervention Sectors
بحوث ودراسات
How to Apply

تقديم ملخص عن البحث المقترح (300 كلمة) قبل 30/6/2026 

في حال قبوله يقدّم البحث قبل 30/9/2026 

بريد التواصل : info@legal-agenda.com

Deadline
Countries
Lebanon